ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
عادة لا اكتب عن زملاء مهنة المتاعب ، لكن للامانة هناك صحفيون يكتبون لأن الكتابة مهنتهم ، وهناك صحفيون يكتبون لأنهم أدركوا ، منذ البدايات ، أن القلم أمانة ، وأن الكلمة شرف و مسؤولية ، وأن الصحافة ليست مجرد حرفة او صنعة تُمارس ، بل امانة و رسالة تُحمل ، و قضية و موقف يُدافع عنه ، وضمير لا يجوز أن يُباع في سوق المصالح .
من هؤلاء ، و هم قلة ، بل من اعتبره في طليعتهم و عميدهم ، الأستاذ خير الله خير الله ، اهم و أبرز الأقلام العربية وأكثرها خبرة وعمقا و حرفية ، من الذين يتركون اثرا و بصمة في الوعي قبل أن يتركوا أسماءهم على صفحات الجرائد و المواقع .
إن الأستاذ خير الله خير الله قلم لا يحتاج إلى صخب او ضجيج كي يعلن عن نفسه و يثبت حضوره ، ولا إلى استعراض كي يفرض تقدير الناس اليه .
يكفي أن تقرأ له لتدرك أنك أمام كاتب و صحفي يعرف عظمة و قيمة الحرف و الكلمة ، ويدرك أن المقال ليس حشدا للكلمات و للجمل ، وإنما موقف و فكرة ، وأن الصحافة ليست ملاحقة للخبر و نقله للجمهور فحسب ، بل محاولة للبحث فيما وراء الخبر ، وقراءة ما بين السطور ، واستشراف ما خفي و قد يأتي بعده .
امتلك الاستاذ خير الله خير الله، على امتداد عقود من العطاء الغزير ، تجربة و قدرة نادرة قلّ ان رأيناها في الجمع بين الصحفي والمثقف المبدع ، بين دقة المعلومة و امانة الخبر و عمق التحليل ، وبين معرفة تفاصيل السياسة و خفاياها وفهم حركة التاريخ . لذلك لم يكن الأستاذ خير الله خير الله مجرد مخبر ناقل للأحداث ، بل كان قارئا لها ، باحثا في عمقها ، مفسرا لتحولاتها ، ومراقبا يقظا للمنطقة العربية والعالم .
ً في زمن تتكاثر فيه الأقلام ، وتزدحم المنابر ، وتصبح السرعة أحيانا أهم من الحقيقة ، تزداد قيمة أمثال الاستاذ خير الله خير الله ، فهو ينتمي إلى مدرسة صحفية تعرف أن عظمة و ثقل الكلمة ، وأن الحرية لا تستقيم من دون مسؤولية ، وأن الاختلاف لا يعني السقوط في الخصومة ، وأن الصحفي الصادق الحقيقي يستطيع أن يكون صريحا من دون أن يكون مبتذلا، وحادا من دون أن يكون متشنجا ، ومختلفا من دون أن يفقد احترامه للآخر .
فالصحافة قبل أن تكون سلطة ، هي أمانة ، وقبل أن تكون شهرة ، هي مسؤولية ، وقبل أن تكون وسيلة للضغط و للتأثير ، هي التزام بالحقيقة و هذا هو الأستاذ خير الله خير الله .
لهذا عندما اكتب عنه ، لا اكتب فقط عن صحفي صاحب تجربة ثرية طويلة ، وإنما اكتب عن مدرسة في الصحافة العربية ، وعن ذاكرة مهنية وثقافية تختزن عقودا من التحولات والأزمات والحروب و التسويات والانتصارات والانكسارات التي عرفها عالمنا العربي .
اكتب عن رجل عظيم ظل القلم عنده أقوى من كل الإغراءات ، و أبقى من اللحظة ، وأرفع من الحسابات الصغيرة .
تحية إلى اخ عزيز و صديق حبّبنا اكثر في الكتابة و الصحافة ، و جعل من السلطة الرابعة أكثر من مهنة ، بل رسالة توقظ ضميرا ، و تهزم صمتا ، و تحفظ للحقيقة مكانها في زمن تتكاثر فيه الأكاذيب .



