توزر مدينة البصرة في المغرب العربي.
بقلم د.محمد الناصر بن عرب.
بعد زمن طويل قادتني خطايا إلى واحة توزر التي عشقتها وكانت جنة أحلامي. لكن للأسف الشديد اصطدمت بواقع مرير أثار في نفسي خيبة أمل كبرى لا يمكنني كتمانها. بقدر ما كانت توزر تمثل إبداعا في تصميم واحتها وخبرة في العناية بنخيلها انهارت معنوياتي أمام مئات النخيل المهملة التي جف سعفها ومات البعض منها واقفا من شدة العطش من أجل قنوات الري التقليدية التي انعدمت صلاحيتها.
فعشقي لواحة توزر نابع من كون النخلة هي الرمز الأعلى للعطاء المستدام والتحدي لقسوة الصحراء إذ أن كل جزء منها يستخدمه الانسان في غذائه ومعماره وصناعاته. نتغذى بتمورها الغنية بالفيتامينات ومضادات الأكسدة وبسكرها الطبيعي الذي يهضم ببطء دون أن يسبب ارتفاعا حادا ومفاجئا لنسبة السكر في الدم.
وعلاوة على هذا، فنحن نصنع من سعفها الحصير والسلال والمراوح التقليدية ونستعمل جذوعها لبناء سقوف المنازل والقوارب والأثاث المنزلي. أما الليف فنستعمله لصناعة الحبال القوية وأدوات التنظيف. وللنخلة سحر يحاكي الانسان في استقامته وفي تفرده بوجود الجنسين ذكور وإناث للتلقيح. وإذا قتل قلبها (الجمار) تموت النخلة.
وحسب ما ترويه الأوساط الشعبية تعتبر النخلة عمة الانسان لأنها خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام. وقد كرمها القرآن بذكرها في 22 موضعا ووصف تفاصيل نواتها بدقة جيدة: الفتيل هو الخيط الدقيق في شق النواة والنقير هي النقطة الصغيرة على ظهرها والقطمير هو الغشاء الرقيق الأبيض الذي يغلفها.
بدأت زراعة النخيل في توزر من العهد الروماني وازدهرت مع الفتوحات الإسلامية بنظام زراعي يقوم على ثلاث طبقات مظلية علوية بقمم النخيل ووسطى بالأشجار المثمرة وأرضية بالخضروات والتوابل.
ولصيانة أشجار النخيل وريها، قام محمد بن علي بن شباط التوزري ( 1221 / 1285م / 618/684 هج) مهندس الري الاستثنائي بتوزيع المياه بالقسطاس والتساوي بين الفلاحين انطلاقا من رأس العيون وقد كان ذلك بفضل المعلم ابن العوام الإشبيلي المتوفي نحو عام 1185 م / 580 هج، صاحب كتاب الفلاحة ورائد العلوم الزراعية والري بالقطرة. وعلاوة على هندسة الري كان ابن شباط شاعرا ممتازا وهو القائل في بيته الشهير المنقوش على مدخل المدينة:
زر توزر إن شئت رؤية جنة …..تجري بها من تحتك الأنهار
تضم ولاية توزر قرابة 2 مليون نخلة وتنتج نحو 60 ألف طنا من التمور سنويا وتعد واحة توزر لوحدها حوالي 400 ألف نخلة.
تعتبر توزر البصرة الصغرى بالنسبة لمدينة البصرة في العراق نظرا للتشابه الكبير بين النسيج العمراني وأصناف التمور كالبرحي والثوري والغرس والموصلي. كما أن اللكنة التوزرية تتميز بقربها للعربية الفصيحة ومن لهجة جنوب العراق. أما في لباس النساء تشكل الملحفة التوزرية الكحلة رابطا حيا مع بغداد وتنقسم إلى نوعين ذات الخط الأزرق للمرأة المتزوجة وذات الخط الأبيض للفتاة العزباء ولسوء الحظ بدأت هذه الرموز في الاندثار. حتى تسمية الدقلة تعود في أصلها إلى التمور القادمة من ضفاف نهر دجلة حيث تنطق الجيم قافا بدوية في بعض الحواضر فتتحول من دجلة إلى دقلة ويمتد هذا التشابه إلى فن المعمار القائم على الآجر الأصفر المحلي بنقوش هندسية تحاكي واجهات البيوت الإسلامية في بغداد والموصل.
تواجه الواحة اليوم تحديات وجودية مهددة لكيانها من جراء التغير المناخي والشح المائي. وقد تسببت موجات الجفاف وانحباس الأمطار في اندثار آلاف النخيل مما دفع الفلاحين لحفر الآبار العميقة واستنزاف الموائد المائية فأدى ذلك إلى اندثار الزراعات الطبقية واقتصار الواحة على النخيل فقط. وما زاد في الطين بلة التملح الصادر عن المياه الجوفية التي تجري للواحة من شط الجريد الملحي والتبخر العالي، الناتج عن شدة الحرارة، فترتفع نسبة الملح في باطن الأرض لتتراكم حول جذور النخيل وتفقد خصوبة تربتها.
ومن عوامل تحطيم الواحة وتراجع منتوجها عزوف الشباب على خدمتها الذي يرفض الاستمرار في العمل نظرا لخطورة المهنة التي تتطلب تسلق النخيل الشاهقة للتلقيح والجني وتتسبب مرارا في حوادث سقوط تؤدي في بعض الأحيان للممات.
أما تشتت الملكية العقارية الذي يبدد ولا يوحد الفلاحين فقد أدى إلى تجزئة الأراضي إلى قطع صغيرة يعجز الاستثمار فيها حيث ترتفع تكاليف الإنتاج. ومن التحديات الوجودية للواحة معضلة المديونية والطاقة إذ أن الاعتماد على ضخ مياه الأبيار العميقة بالكهرباء أدى إلى تراكم ديون المزارعين لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز والتي تلجأ أحيانا لقطع تيار الكهرباء مما يؤدي لعطش النخيل ومماته.
إن الوضع الفلاحي في الواحات التونسية بلغ مرحلة حرجة تستوجب تدخلا استعجاليا وسياديا من الدولة عبر استراتيجية تدعم الشجر والبشر وذلك بتوفير إعفاءات في تكلفة الطاقة والمياه وضخ استثمارات لابتكار آليات ميكانيكية تحمي الشباب من مخاطر السقوط مع وضع تشريعات تمنع تشتت ملكية الأراضي.
لقد عرضنا في هذا المقال المختصر ما يجري في الواحات الصحراوية ونعتبر ان الدفاع عن كنز مثل الواحات التونسية دفاعا عن هوية وطنية وثقافية صاغتها الأجيال يجب الحفاظ عليها مثل هندسة الري بالقسطاس لابن شباط وتقليم النخيل. ونحن نثمن المبادرات الواعدة للدولة والمستثمرين الخواص في استصلاح الأراضي الصحراوية الجرداء وإنشاء ضيعات نخيل حديثة خارج الواحات التقليدية مثل مشاريع رجيم ومعتوق قرب قبلي. كما أن التوجه نحو تقنيات الزراعة خارج التربة والري الذكي يمثل طوق نجاة حقيقي وثورة مستدامة تسمح بالاقتصاد الهائل في المياه والطاقة وتضمن لنا الازدهار الفلاحي المنشود.

