الحوثيون .. حين تسقط الأقنعة ويصبح العداء للسعودية هو العنوان .
بقلم – ابوبكر الصغير .
ثمة لحظات تسقط فيها الأقنعة من تلقاء نفسها ، تُكشف الخيانات ، ولا يعود الخطاب الدعائي قادرًا على إخفاء حقيقة المواقف .
وما تكشفه التطورات الأخيرة في البحر الأحمر وباب المندب يطرح سؤالًا حارقا لا يمكن القفز فوقه : كيف يمكن لجماعة ترفع منذ سنوات شعارات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل ، وتقدم نفسها باعتبارها رأس حربة في المقاومة و مواجهة المشروع الأمريكي والإسرائيلي، أن تبادر إلى طمأنة واشنطن و بصيغة غير مباشرة تل ابيب بأنها لن تستهدف سفنها، في الوقت الذي تجعل فيه المملكة العربية السعودية هدفًا رئيسيًا مباشرًا لهجماتها الارهابية ؟.
ان المسألة هنا ليست تفصيلًا عابرًا في حسابات الحرب ، وإنما مفارقة سياسية وأخلاقية تكشف الكثير عن طبيعة هذا الخطاب .
فبحسب تقارير حديثة، أكد مسؤول حوثي أن الجماعة أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تنوي استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر، في وقت تتواصل فيه هجماتها وتهديداتها ضد السعودية، بل إن الجماعة جعلت السفن المرتبطة بالسعودية تحديدًا في دائرة الاستهداف.
وهنا يصبح السؤال كبيرا ، مشروعًا : إذا كانت الولايات المتحدة هي ” العدو الأكبر ” في أدبيات الحوثيين ، فلماذا تصبح سفنها بمنأى عن الاستهداف، بينما تتحول السعودية، هذا البلد المبارك ، أرض الحرمين الشريفين، إلى العدو الأول ؟ .
وأي منطق يمكن أن يفسر أن تتحول شعارات ” مواجهة أمريكا وإسرائيل ” إلى رسائل تطمين للأمريكيين و بطريقة غير مباشرة الاسرائيليين ، بينما تُوجه الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الرياض والمنشآت السعودية المدنية والسفن المرتبطة بالمملكة؟ .
لقد أصبح التناقض صارخًا إلى درجة يصعب معها إخفاؤه وراء الشعارات.
فالسعودية ليست دولة عابرة في وجدان هذه الأمة . إنها أرض مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقبلة المسلمين ومهوى أفئدة مئات الملايين منهم، ودولة عربية تمثل اليوم مركزًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا رئيسيًا في المنطقة .
واستهداف أمنها واستقرارها لا يمكن اختزاله في خلاف حدودي أو نزاع يمني داخلي، خصوصًا عندما تأتي هذه الهجمات في سياق إقليمي أوسع يرتبط بإيران وحلفائها وشبكات النفوذ التي بنتها طهران في المنطقة من جماعات إرهابية .
والحوثيون، في نهاية المطاف، ليسوا ظاهرة منفصلة عن هذا السياق. فالتقارير الأمريكية والدولية تصف الجماعة بأنها مدعومة من إيران، كما أن تمددها على الساحل الغربي لليمن واقترابها من باب المندب يمنحها قدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن الأخطر من السلاح هو سقوط القناع السياسي .
حين تكون الرسالة الموجهة إلى واشنطن: ” أنتم في مأمن ” ، بينما تكون الرسالة الموجهة إلى الرياض: ” أنتم الهدف ” ، فإن السؤال لم يعد فقط عن طبيعة السلاح الحوثي، وإنما عن طبيعة المشروع الذي يتحرك في ظله.
فهل نحن أمام ” مقاومة ” بالمعنى الذي يحاول الخطاب الدعائي تقديمه، أم أمام مشروع نفوذ إقليمي يستخدم القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل والولايات المتحدة أدوات للتعبئة ، بينما يوجه الجزء الأكبر من طاقته السياسية والعسكرية نحو ضرب دول عربية وإضعافها وتهديد أمنها؟.
لقد سبق أن شاهدنا هذا النمط في أكثر من ساحة عربية : شعارات كبرى عن تحرير فلسطين، ثم صراعات ودماء ودمار داخل العواصم العربية، وتوسيع للنفوذ الإيراني على حساب الدولة الوطنية ، وتحويل المجتمعات العربية إلى ساحات مفتوحة للحروب بالوكالة.
العراق دفع ثمنًا باهظًا ، وسوريا دفعت الثمن، ولبنان مايزال يعيش آثار اختلال التوازن بين الدولة والسلاح، واليمن نفسه أصبح نموذجًا مأساويًا لما يحدث عندما تتحول جماعة مسلحة إلى سلطة فوق الدولة.
ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في الصاروخ الحوثي أو الطائرة المسيّرة، وإنما في المنظومة السياسية التي تجعل من العداء للعرب مشروعًا دائمًا، ومن تفكيك الدول وسيلة لتوسيع النفوذ .
فإذا كان العدو هو إسرائيل وأمريكا، فلماذا تصبح السعودية هي الهدف؟ .
وإذا كانت المعركة من أجل فلسطين، فما علاقة استهداف الرياض والمنشآت السعودية والسفن المرتبطة بالمملكة بتحرير فلسطين ؟.
وإذا كان باب المندب ساحة ” مقاومة “
، فلماذا تتحول حرية الملاحة فيه إلى امتياز يُطمأن إليه الأمريكيون، بينما تُفرض القيود والحصار على السفن السعودية؟.
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات ، بل إلى إجابات.
والأخطر أن استمرار هذا المنطق يفتح الباب أمام قراءة أوسع : أن القضية الفلسطينية يمكن أن تتحول ، في بعض المشاريع الإقليمية، من قضية تحرير وطن وشعب إلى أداة لتبرير التوسع والنفوذ وإعادة رسم موازين القوى داخل العالم العربي.
وهنا ينبغي أن تكون الأمة أكثر وعيًا.
فليس كل من رفع شعار فلسطين حريصًا بالضرورة على فلسطين ، وليس كل من هتف ضد إسرائيل يعمل بالضرورة من أجل العرب ، وليس كل من أعلن عداءه لواشنطن يجعل من نفسه عدوًا حقيقيًا لها .
المعيار الحقيقي هو السلوك.
والسلوك يقول إن السعودية تتعرض لهجمات إرهابية حوثية مباشرة ، وإن الجماعة جعلت الأصول والسفن المرتبطة بالمملكة هدفًا معلنًا، بينما أعلنت في المقابل أنها لن تستهدف السفن الأمريكية.
وهنا لا يعود السؤال : ماذا يقول الحوثيون؟
بل. : ماذا يفعلون حقا ىع؟.
وعندما تتناقض الشعارات مع الأفعال، فإن الأفعال هي التي تكشف الحقيقة.
إن أمن المملكة العربية السعودية ليس شأنًا سعوديًا فقط، وأمن مكة والمدينة وباب المندب والبحر الأحمر ليس ملفًا خاصًا بجماعة مسلحة أو بمحور إقليمي. إنها قضايا تتصل مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها وبسلامة الملاحة الدولية .
