تونس 27°C

22 ماي 2026

تونس 38°C

22 ماي 2026

التاريخ حين يرويه الرجال … والمرأة التي أعادت اكتشاف أصوات الغائبات .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في زمنٍ أصبحت فيه السرعة تطغى على عمق المضمون و المحتوى الإعلامي ، تواصل الإعلامية المتألقة ميسون أبو بكر تقديم حوارات استثنائية عبر منصة “ بودكاست مع ميسون ” التابعة لمجموعة ٠ ام بي سي قروب ” ، حيث يتحول الحوار من مجرد تبادل للأسئلة إلى رحلة فكرية وإنسانية عميقة ، تكشف خفايا التجارب وتضيء الزوايا الخفية في شخصيات الضيوف وأفكارهم .
في الحلقة الرابعة، استضافت الدكتورة هتون أجواد الفاسي ، المتخصصة في تاريخ المرأة السعودية ، في لقاء اتسم بالهدوء والرقي الفكري والعمق المعرفي ، وتناول قضايا التاريخ والهوية والتحولات الاجتماعية، إلى جانب مسيرة المرأة السعودية وما شهدته من تطورات لافتة خلال العقود الأخيرة .
جاء الحوار ثريًا للغاية ، مليء بالشهادات الإنسانية والأفكار العميقة ، كاشفا جانبًا مهمًا من التحولات التي عاشتها المرأة السعودية بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة ، ليمنح المشاهد قراءة أكثر وعيًا وإنصافًا لتاريخ المرأة السعودية وتجربتها الاجتماعية والثقافية .
وكان الحوار تأكيدًا جديدًا على أن الإعلام الراقي لا يكتفي بطرح الأسئلة ، بل يصنع مساحة للفهم والتأمل وإعادة اكتشاف الواقع .
غير أن الفكرة الأكثر عمقًا التي تسربت بهدوء عبر هذا اللقاء الراقي ، كانت تلك العبارة المكثفة التي قالتها هتون الفاسي وهي تستعيد بداياتها مع دراسة التاريخ : “شعرت أن التاريخ رجل ” .
عبارة قصيرة ، لكنها تختزل قرونًا طويلة من السرد الإنساني الذي كُتب غالبًا من زاوية واحدة ، حيث بدا التاريخ وكأنه حكاية الرجال وحدهم : القادة ، والمحاربون ، والساسة ، وصناع القرار ، بينما بقيت المرأة حاضرة في الظل ، أو غائبة تمامًا إلا في صور نمطية تختزلها في القصور والحكايات الهامشية .
تحدثت هتون الفاسي عن شعورها المبكر بالاغتراب داخل كتب التاريخ .
كانت تدرس التحولات الكبرى والأحداث المفصلية ، لكنها لم تجد نفسها كامرأة داخل هذا العالم المكتوب .
شعرت أن نصف المجتمع يكاد يكون محذوفًا من الذاكرة الجماعية ، وكأن النساء لم يكنّ جزءًا من صناعة التاريخ أو بناء الحضارات . ومن هنا بدأ مشروعها الفكري والبحثي : إعادة اكتشاف المرأة داخل السردية التاريخية ، لا باعتبارها هامشا تابعا ، بل باعتبارها فاعلًا إنسانيًا كامل الحضور .
هذا الوعي قادها إلى البحث عن النساء المنسيات في تاريخ الجزيرة العربية ، قبل أن تجعل المرأة محور مشروعها الأكاديمي في الدكتوراه ، حيث اختارت دراسة المرأة النبطية في حضارة الأنباط ، تلك الحضارة العريقة التي امتدت بين الأردن وشمال غرب الجزيرة العربية ، وكانت الحِجر إحدى أهم مدنها التاريخية .
ومن خلال النقوش والكتابات المحفورة على الحجر ، اكتشفت أن النساء كنّ حاضرات بالفعل و بقوة ، يتحدثن ويعبّرن ويتركن أثرهن ، لكن أحدًا لم يكن يولي تلك الأصوات الاهتمام ذاته الذي مُنح للروايات الذكورية التقليدية .
ولعل ما يمنح تجربة هتون الفاسي عمقها الحقيقي أنها لم تكتفِ بإعادة قراءة الماضي ، بل ربطت ذلك بالحاضر أيضًا .
فهي ترى أن توثيق تاريخ المرأة السعودية ليس مجرد عمل أكاديمي ، بل مسؤولية حضارية وثقافية ، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة العربية السعودية ، واتساع حضور المرأة السعودية في المجال العام والإعلام ومواقع القرار .
ولهذا حرصت ، عبر كتبها وأبحاثها ومقالاتها، على أن تجعل من الكتابة أداة لحفظ الذاكرة النسائية السعودية وتوثيق حراكها الفكري والاجتماعي .
وقد بدت رؤيتها شديدة الذكاء حين تحدثت عن الكتابة باعتبارها المساحة التي استطاعت المرأة السعودية عبرها أن تعبّر عن ذاتها لعقود طويلة .
ففي وقت كانت فيه مساحات الظهور العام محدودة ، أصبحت المقالة والرواية والشعر وسائل للتعبير عن الأحلام والحقوق والهواجس والأسئلة الكبرى .
وكأن المرأة السعودية كتبت وجودها بنفسها قبل أن يُعترف بهذا الوجود على نطاق أوسع .
كما كشف الحوار جانبا آخر من شخصية هتون الفاسي ، يتعلق بعلاقتها العميقة بالهوية .
فهي معروفة بارتدائها الزي الحجازي التقليدي منذ سنوات الجامعة ، في تعبير واضح عن اعتزازها بجذورها الثقافية والتاريخية ، وكأنها تمارس عبر مظهرها الشخصي فعل مقاومة للنسيان ، وإصرارًا على أن الهوية ليست مجرد ماضٍ جامد ، بل امتداد حيّ داخل الحاضر .
ولم تغفل هتون الفاسي أثر تجربتها الأكاديمية في جامعة مانشستر ببريطانيا، حيث تحدثت عن بيئة علمية تقوم على الفكر النقدي والتحليل العميق والانفتاح على الثقافات المختلفة ، وهو ما ساعدها على تطوير أدواتها البحثية والفكرية ، والانفتاح على مقاربات جديدة في دراسة المرأة والتاريخ والمجتمع .
في الختام ، بدا هذا الحوار أكثر من مجرد لقاء إعلامي تلفزيوني ، بدا محاولة لإعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة : من يكتب التاريخ ؟ ومن يملك حق الظهور داخل الذاكرة الإنسانية ؟ .
فحين تقول هتون الفاسي إن “ التاريخ .. رجل ”، فهي لا تدعو إلى كتابة تاريخ مضاد، بل إلى تاريخ أكثر عدلا و انصافا واتساعًا ، تاريخ يرى المجتمع كاملًا بأصوات رجاله ونسائه معًا ، لأن الحضارات لا يمكن ان يصنعها صوت واحد ، و يستحيل ان تبنيها ذاكرة ناقصة ومنحازة لجنس على حساب الآخر .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية