السلام … حين نبني الجسور قبل أن تنتهي الخلافات .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في عالم اصبحت تتسع فيه مساحات الانقسام ، وتتراكم فيه أسباب التوتر ، لم يعد السلام مجرد كلمة تُقال في المناسبات ، ولا اتفاقًا يُوقّع بعد أن تصمت المدافع .
السلام ، في معناه الأعمق ، هو القدرة على منع الخلاف من التحول إلى عداوة ، والاختلاف إلى إقصاء ، والذاكرة إلى وقود دائم للانتقام .
ومن هنا تأتي أهمية اليوم الدولي للسلام ، الذي يوافق 21 سبتمبر من كل عام ، والذي اختارت له الأمم المتحدة هذا العام شعارًا بالغ الدلالة: ” الاستثمار في السلام: للجميع، وفي كل مكان، وكل يوم ” .
فالسلام ليس مجرد غياب للحرب ، بل هو حضور للأمان والكرامة والعدالة والفرص ، وقدرة المجتمعات على إدارة خلافاتها من دون أن تتحول إلى ساحات للصراع .
ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط : كيف نوقف الحرب ؟ وإنما أيضًا : كيف نصنع السلام قبل أن تصل المجتمعات إلى حافة الحرب ؟ .
ربما تبدأ الإجابة من فكرة بسيطة ، لكنها عميقة : السلام لا يبدأ عندما تنتهي الخلافات ، بل عندما نمتلك الشجاعة لبناء الجسور فوقها .
فالاختلاف في المصالح والرؤى والهويات والتاريخ جزء طبيعي من حياة الأمم والمجتمعات .
أما الخطر فيبدأ عندما نفقد القدرة على إدارة هذا الاختلاف ، وعندما يتحول الآخر من شريك في الإنسانية إلى خصم ينبغي إقصاؤه ، أو عدو يجب إسقاطه .
عندها لا تعود الدبلوماسية مجرد تفاوض بين الحكومات ، وإنما تصبح فنًا لإعادة بناء الثقة ، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ، خصوصًا في اللحظات التي يبدو فيها الصمت أسهل من الحوار .
والتاريخ يثبت أن الجسور التي تبدو مستحيلة البناء يمكن أن تقوم عندما تتوافر الإرادة السياسية والشجاعة الإنسانية .
في عام 1978 ، اجتمع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في كامب ديفيد ، بعد عقود من الحروب والصدامات .
لم تكن الجراح قد التأمت ، ولم تختفِ الخلافات ، ولم تتبدد مشاعر العداء المتراكمة ، لكن التفاوض أفضى إلى إطار مهّد لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 ، وما رافقها من ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي من سيناء وإقامة علاقات بين البلدين .
كان الدرس جليا و واضحًا : السلام لا يشترط اختفاء الخلاف ، وإنما يشترط امتلاك الإرادة لتحويل الخلاف من ميدان للمواجهة إلى طاولة للتفاوض .
وفي أيرلندا الشمالية ، جاءت تجربة اتفاق بلفاست ، أو ” الجمعة العظيمة ” ، عام 1998، بعد عقود من الصراع ، لتقدم نموذجًا آخر لبناء السلام من خلال الشراكة والمساواة والاحترام المتبادل وتقاسم السلطة .
لم يكن الاتفاق يعني أن الجميع أصبحوا متشابهين ، بل أنهم وجدوا صيغة تسمح لهم بالعيش مع اختلافاتهم بدل تحويلها إلى مبرر للقتل .
وهنا تكمن إحدى أهم حقائق السلام : لسنا بحاجة إلى أن نتشابه حتى نعيش معًا ، بل نحتاج إلى أن نتعلم كيف نحترم اختلافنا .
أما جنوب أفريقيا ، فقد اختارت طريقًا مختلفًا في التعامل مع إرث الصراع .
فبعد نهاية نظام الفصل العنصري ، لم يكن من الممكن بناء مستقبل جديد من دون مواجهة الماضي ، ولذلك أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة للاستماع إلى الضحايا وكشف الانتهاكات ومعالجة إرث العنف .
وقد طرحت التجربة سؤالا سيظل مطروحا في كل مجتمع خرج من نزاع : هل يمكن بناء سلام مستدام فوق ذاكرة مقموعة وجرح لم يُسمح له بالكلام ؟.
قد تختلف الإجابات باختلاف المجتمعات والظروف ، لكن ما يبدو مؤكدا أن المصالحة الحقيقية لا تعني محو الماضي ، وإنما تحويله من مادة للانتقام إلى معرفة تمنع تكراره .
وهنا تبدأ أهمية الثقافة .
فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي ، لكنها كثيرًا ما تجد وقودها في الخوف والصور النمطية والجهل بالآخر ، وفي تحويل الاختلاف الثقافي أو الديني أو القومي إلى تهديد وجودي .
ولذلك فإن الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات ، بل واحدة من أدوات الوقاية من الصراع .
ولعل من أجمل الأمثلة على قدرة الثقافة على بناء الجسور تسجيل تقاليد ومعارف ” الكسكسي ” ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو عام 2020، من خلال ملف مشترك بين الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس .
قد يبدو الأمر تفصيلا بسيطا أمام تعقيدات السياسة ، لكنه يحمل معنى بالغ الدلالة : هناك ما يجمع الشعوب أحيانًا أكثر بكثير مما تفعله الخلافات السياسية .
فالشعوب لا تلتقي عبر الحكومات وحدها ، وإنما تلتقي أيضًا عبر الموسيقى والكتب والفنون والجامعات والسينما واللغة والطعام والذاكرة .
وحين تعجز السياسة عن تقريب الشعوب ، تستطيع الثقافة أن تفتح أبواب التعارف .
وحين تصنع بعض الخطابات السياسية والإعلامية صورة مخيفة عن الآخر ، يستطيع اللقاء الإنساني أن يقدم صورة أكثر إنصافا .
ولهذا فإن بناء السلام ينبغي ألا يبدأ فقط في قصور الرئاسة وقاعات المفاوضات ، بل أيضًا في المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمتاحف والمراكز الثقافية، وفي الطريقة التي نتحدث بها عن الآخر أمام أطفالنا .
فالكلمة يمكن أن تكون جسرا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى شرارة .
والصورة يمكن أن تقرّب المسافات ، لكنها قادرة كذلك على صناعة الخوف والكراهية . وفي زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على نشر خطاب الكراهية في دقائق ، فإن الاستثمار في ثقافة الحوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب ، بل أصبح ضرورة اجتماعية وأمنية .
والسلام ليس مسؤولية السياسي وحده .
إنه مسؤولية الصحفي والمعلم والفنان والمثقف والدبلوماسي والأسرة ، وكل من يمتلك كلمة أو منصة أو قدرة على التأثير .
فالاستثمار الحقيقي في السلام لا يكون فقط في وقف الحرب بعد اندلاعها ، وإنما في معالجة الظروف التي تجعل الحرب ممكنة : الفقر ، والإقصاء ، والتمييز ، وانعدام الثقة ، وخطاب الكراهية ، وغياب العدالة ، وانهيار قنوات الحوار .
إن السلام الذي يُبنى بعد سقوط آلاف الضحايا تكون كلفته هائلة ، أما السلام الذي يُبنى قبل الانفجار فهو أكثر إنسانية وأقل كلفة .
ومن هنا نحتاج إلى الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة الوقاية منها ، ومن دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية استباقية ، ومن انتظار الكارثة إلى بناء أدوات تمنع وقوعها .
فالجسر لا يعني أن الضفتين أصبحتا متطابقتين ، ولا أن الخلافات اختفت . الجسر يعني فقط أن الطرفين قررا ألا يبقيا أسيرين للمسافة الفاصلة بينهما .
السلام ليس لحظة صمت تأتي بعد آخر طلقة ، بل هو أن يصبح الحوار أقوى من الرصاصة ، والمعرفة أقوى من الصورة النمطية، والثقة أقوى من الخوف، والجسر أقوى من الجدار .
لهذا، لا تنتظروا انتهاء الخلافات حتى تبنوا الجسور .
عجلوا ، ابنوها الآن .
فربما يكون السلام الذي نبحث عنه بعد الحرب ، ممكنًا أن نصنعه قبلها.
