إيران وفلسطين.. حين تحولت القضية المقدسة إلى جسر للهيمنة .
بقلم – ابوبكر الصغير .
ثمة سؤال ظلّ مؤجلا طويلا ، ربما لأن مجرد طرحه كان يبدو في نظر كثيرين كأنه مساس بالقضية الفلسطينية نفسها : هل كانت إيران فعلا ، طوال العقود الماضية، نصيرًا لفلسطين ، أم أنها كانت تستخدم فلسطين باعتبارها واحدة من أهم أدوات مشروعها التوسعي للتمدد في العالم العربي ؟ .
السؤال لا يتعلق بالتشكيك في عدالة القضية الفلسطينية ، ولا في حقوق الشعب الفلسطيني ، ولا في مقاومة الاحتلال .
بل على العكس تمامًا : إنه محاولة للفصل بين فلسطين بوصفها قضية شعب وأرض وحقوق، وبين فلسطين بوصفها ورقة في الحسابات الجيوسياسية للدول .
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ المنطقة الحديث .
إيران رفعت شعار فلسطين عاليًا ، لكنها في الوقت نفسه بنت عبر هذا الشعار نفوذًا امتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء .
أنشأت ايران و دعمت شبكة من القوى المسلحة التي أصبحت جزءًا من مشروعها الإقليمي، بحيث تحولت القضية الفلسطينية ، في جانب من هذا المشروع ، من غاية يُراد تحقيقها إلى وسيلة تُستخدم لتثبيت النفوذ وخلق أوراق القوة .
لقد فهمت طهران مبكرًا القوة السياسية الهائلة للقضية الفلسطينية في الوعي الشعبي العربي والإسلامي .
فلسطين قضية لا تحتاج إلى تعريف ، والقدس رمز يتجاوز الحدود والمذاهب والقوميات، والاحتلال الإسرائيلي جرح تاريخي في الوجدان العربي .
ومن هنا كان الاستثمار في فلسطين شديد الذكاء من الناحية السياسية : ارفع راية القدس، واربط بها مشروعك الإقليمي ، ثم قدّم كل توسع لنفوذك باعتباره جزءًا من ” المقاومة ” .
وهكذا ولدت معادلة شديدة الخطورة :
كلما توسع النفوذ الإيراني ، قُدّم ذلك باعتباره دفاعًا عن قضية فلسطين .
وكلما تشكلت ميليشيا جديدة مرتبطة بطهران ، رُفعت فوقها راية القدس .
وكلما امتدت إيران إلى بلد عربي جديد، قيل إن الطريق إلى فلسطين يمر من هناك .
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو : هل كان الطريق إلى فلسطين يمر فعلًا من بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ؟ .
أم أن فلسطين كانت هي الطريق الذي مرّت عبره إيران إلى العواصم العربية ؟ .
هنا تتغير زاوية النظر إلى التاريخ كله .
في العراق، لم تكن القضية الفلسطينية هي التي بنت النفوذ الإيراني، وإنما جاءت بعد سنوات من التحولات السياسية والعسكرية التي جعلت طهران لاعبًا بالغ التأثير في الدولة والمجتمع والأمن.
وفي سوريا، أصبح نظام بشار الأسد جزءا أساسيًا من منظومة النفوذ الإيراني ، وتحولت الأراضي السورية إلى مساحة استراتيجية للوجود الإيراني ونقل السلاح وبناء شبكات مسلحة .
وفي لبنان، أصبح حزب الله ، الذي نشأ بدعم إيراني في الثمانينيات، واحدًا من أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة ، إلى حد أن الدراسات المتخصصة تصفه باعتباره عنصرًا مركزيًا في ” العمق الاستراتيجي ” الإيراني .
أما اليمن ، فقد أصبحت جماعة الحوثي جزءًا من شبكة إرهابية إقليمية مرتبطة بإيران ، وتطورت قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة بدعم وتدريب ونقل خبرات إيرانية ، بحسب تقارير ودراسات دولية.
وقد تحولت الجماعة من حركة محلية إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة الدولية وضرب أهداف بعيدة عن اليمن .
وهكذا، وفي أقل من أربعة عقود، ظهر مشهد غير مسبوق :
نفوذ إيراني في العراق.
وجود إيراني وشبكات مسلحة في سوريا.
حزب مسلح شديد القوة في لبنان.
وحركة إرهابية مسلحة في اليمن قادرة على تهديد أمن البحر الأحمر .
ثم يأتي السؤال : أين فلسطين في كل هذا؟ .
كانت فلسطين حاضرة في الخطاب .
لكنها لم تكن دائمًا حاضرة باعتبارها غاية مستقلة عن المشروع الإيراني .
وهنا تكمن المأساة .
لقد ساهم تحويل فلسطين إلى شعار دائم في حجب سؤال آخر أكثر إيلامًا : ماذا حدث للشعوب العربية التي أصبحت بلدانها ساحات للصراع الإيراني ؟ .
ماذا حدث للعراقيين بعد أن تحولت بلادهم إلى ساحة تنافس إقليمي ؟ .
ماذا حدث للسوريين بعد أن تحولت سوريا إلى إحدى أهم ساحات الصراع والنفوذ الإيراني ؟.
ماذا حدث للبنانيين عندما أصبح السلاح خارج مؤسسات الدولة عنصرًا دائمًا في معادلة القوة ؟ .
وماذا حدث لليمنيين عندما تحولت بلادهم إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع الإقليمي ؟ .
وهنا يصبح شعار ” محور المقاومة ” بحاجة إلى قراءة مختلفة .
فالمقاومة التي تدمر الدولة وتستنزف المجتمع وتدفع ملايين البشر إلى النزوح والفقر ليست بالضرورة طريقًا إلى تحرير فلسطين.
وقد تكون النتيجة الأكثر مرارة أن القضية الفلسطينية نفسها دفعت ثمن هذا الاستخدام السياسي .
فبدل أن تبقى فلسطين قضية جامعة للعرب، جرى إدخالها في شبكة المحاور والصراعات الإقليمية.
إذا كان مشروع ” محور المقاومة ” قد بُني باسم تحرير فلسطين ، فإن أول سؤال يجب أن يُطرح عليه هو : ماذا حرر فعلا ؟ .
هل استقلت فلسطين ؟ و قامت دولتها ؟
أم حرر لإيران مساحات نفوذ جديدة في العالم العربي ؟ .
هل قرّب القدس؟ .
أم قرّب النفوذ الإيراني من بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ؟ ،
هل أعاد للفلسطينيين دولتهم؟.
أم جعل فلسطين ذريعة دائمة لتوسيع شبكة التحالفات المسلحة والصراعات الإقليمية ؟.
فلسطين ليست ملكا لطهران حتى تتحدث باسمها ، وليست ملكا لأي محور حتى يحتكر تمثيلها.
