تونس والسعودية.. أخوّة تتجدد في قصر قرطاج
بقلم حذامي محجوب
ثمّة علاقات بين الدول تُبنى على المصالح، وثمّة علاقات أعمق منها تُبنى على الأخوّة والاحترام والمودة، وتونس والمملكة العربية السعودية تنتميان إلى هذا النوع من العلاقات التي لا تختصرها الاتفاقيات ولا تحصرها المناسبات الرسمية، لأن جذورها أقدم من السياسة وأعمق من ظرف عابر.
وفي قصر قرطاج، اليوم 21 سبتمبر 2026، تجددت إحدى صور هذه العلاقة الأخوية، عندما أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد على موكب تسلّم أوراق اعتماد سعادة السيد محمد بن عبد الله بن حمد البريثن سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى الجمهورية التونسية .
قد يبدو المشهد بروتوكوليا في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه دلالة أكبر بكثير ، فالسفير الجديد لا يأتي فقط ممثلا لدولة شقيقة، وإنما يأتي من المملكة العربية السعودية إلى تونس ، حاملا معه امتدادا لعلاقة بين شعبين عربيين جمعتهما على الدوام وشائج الاحترام والتقدير والمصير المشترك .
والسعودية بالنسبة إلى التونسيين ليست بلدا عربيا بعيدا في الجغرافيا ، وإنما هي أرض الحرمين الشريفين ، ومملكة تجمعها بتونس روابط روحية وإنسانية وثقافية عميقة، جعلت اسمها حاضرا في وجدان التونسيين جيلاً بعد جيلز.
كما أن تونس في الوجدان السعودي ليست مجرد بلد في شمال إفريقيا، وإنما هي بلد عربي عريق، صاحب تاريخ وثقافة وكفاءات، وشعب عرف دائماً بعمق انتمائه العربي واعتزازه بعلاقاته مع أشقائه في الخليج والمشرق والمغرب العربي.
ولعل أجمل ما في العلاقات التونسية السعودية أنها استطاعت، عبر عقود طويلة، أن تحافظ على مساحة من الاحترام المتبادل، بعيداً عن التقلبات والظروف العابرة. وقد أكد الرئيس قيس سعيّد، عند استقباله السفير السعودي السابق عبد العزيز بن علي الصقر في ختام مهمته في يونيو الماضي، متانة الروابط بين الشعبين وحرصهما المشترك على تعزيزها في مختلف المجالات.
وهذه الأخوّة ليست مجرد عبارة دبلوماسية جميلة، وإنما هي رصيد حقيقي يمكن أن تتحول قيمته إلى مزيد من التعاون في الاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة والتعليم والصحة والإعلام، وإلى جسور أوسع بين رجال الأعمال والمثقفين والجامعات والشباب والمؤسسات في البلدين.
وتونس، وهي تنظر إلى المملكة العربية السعودية اليوم وهي تعيش مرحلة تحولات كبرى وتفتح آفاقاً جديدة أمام اقتصادها ومجتمعها وثقافتها، تنظر إليها أيضاً بعين الأخ الذي يتابع تجربة شقيقه باهتمام وتقدير، ويتمنى له مزيداً من النجاح والاستقرار والازدهار.
وفي المقابل، فإن تونس تملك الكثير مما يمكن أن تقدمه في إطار هذه الشراكة الأخوية، بما تختزنه من طاقات بشرية وكفاءات علمية وثقافية، ومن موقع جغرافي يجعلها جسراً بين شمال إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
إن وصول السفير السعودي الجديد إلى تونس يمكن أن يكون مناسبة جديدة لفتح صفحات أوسع في هذه العلاقة، ولتحويل الرصيد الأخوي المتراكم بين البلدين إلى مشاريع وشراكات وفرص يستفيد منها الشعبان .
فالدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الزيارات واللقاءات، وإنما بما تتركه تلك اللقاءات من أثر في حياة الناس، وبما تنتجه من فرص للتعاون والتقارب، وبقدرتها على تحويل المحبة التاريخية بين الشعوب إلى عمل مشترك ومستقبل أفضل .
ومن تونس إلى المملكة العربية السعودية، تبقى الرسالة واضحة وبسيطة وعميقة في آن واحد:
أهلا بالسفير السعودي الجديد في تونس، وأهلاً بكل ما يحمله حضوره من معاني الأخوّة والتقارب .
وأهلا بالمملكة العربية السعودية في تونس، كما كانت تونس دائماً حاضرة في وجدان المملكة وشعبها.
إنها علاقة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتثبت عمقها، لأن بين تونس والسعودية تاريخاً من المودة والاحترام، وبين الشعبين مشاعر لا تصنعها البروتوكولات ولا تنهيها الظروف.
وفي زمن عربي تزداد فيه الحاجة إلى التضامن والتكامل وبناء الجسور ، تبقى العلاقات التونسية السعودية نموذجاً لعلاقة عربية تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى الإيمان بأن ما يجمع الأشقاء أكبر بكثير مما قد تفرضه المسافاتر.
فمرحبا بسفير المملكة العربية السعودية في تونس، ومرحبا بمزيد من التعاون والتقارب بين بلدين وشعبين شقيقين.
تونس والسعودية… أخوّة راسخة ، وودّ متبادل، وجسور تمتد من قرطاج إلى الرياض، ومن تونس إلى أرض الحرمين .

