تونس 22°C

20 ماي 2026

تونس 38°C

20 ماي 2026

الذكاء الاصطناعي وأسواق التنبؤ … أمريكا أمام قلق التكنولوجيا الجديدة .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الجدل حول مدى التحولات التكنولوجية الكبرى ، من الذكاء الاصطناعي إلى أسواق التنبؤ الرقمية ، وصولًا إلى التطبيقات التي تتغلغل في أكثر تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد و كذلك أهم المسائل البيولوجية حساسية .
بينما تُسوَّق هذه الابتكارات باعتبارها بوابة لعصر جديد من التقدم الإنساني ، فإنها تثير في المقابل موجة متنامية من القلق والرفض داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي .
في هذا السياق، أثارت رائدة أعمال في ولاية فلوريدا جدلًا واسعًا خلال مداخلة لها في جامعة سنترال فلوريدا ، بعدما وصفت الذكاء الاصطناعي بأنه ” الثورة الصناعية الجديدة القادمة ” . غير أن خطابها قوبل باستهجان واضح من قبل عدد من الطلاب ، في مشهد عكس حجم التوتر المتزايد تجاه الخطاب المتفائل بالتكنولوجيا ، و في وقت تتعاظم فيه المخاوف المرتبطة بمستقبل الوظائف والخصوصية والتحكم البشري .
لم يكن هذا الحدث معزولا عن السياق العام ، إذ تكشف استطلاعات الرأي الحديثة عن تحول واضح في المزاج الأمريكي تجاه الذكاء الاصطناعي .
فقد أظهرت بيانات نقلها موقع ” إكسيوس ” Axios، استنادا إلى استطلاع لمؤسسة ” غالوب ” Gallup، أن 18% فقط من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 سنة ينظرون بإيجابية إلى الذكاء الاصطناعي . كما أظهر استطلاع مشترك بين ” ذي إيكونوميست ” The Economist و ” يوغوف ” YouGov أن نحو 70% من الأمريكيين يعتقدون أن هذه التكنولوجيا تتطور بوتيرة ” سريعة أكثر من اللازم ” ، وهي مخاوف تتجاوز الانقسامات الحزبية ، إذ يشاطرها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء .
وفي مشهد مشابه، واجه إريك شميت، أحد أبرز رموز وادي السيليكون ، موجة استهجان خلال مداخلة له في جامعة أريزونا عندما شبّه الذكاء الاصطناعي ببدايات عصر الحوسبة. تعكس هذه المواقف اتساع الفجوة بين النخب التكنولوجية التي ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية، وبين جزء متزايد من الرأي العام الذي يتعامل معه بوصفه مصدرًا للتهديد وعدم اليقين.
بالتوازي مع هذا الجدل، برزت ظاهرة أخرى تتمثل في الانتشار المتسارع لأسواق التنبؤ الرقمية، مثل” كالشي ” و ” بوليماركت ” Kalshi وPolymarket، حيث يمكن للمستخدمين المراهنة على أحداث سياسية واقتصادية ورياضية ، بل وحتى عسكرية .
ورغم تقديم هذه المنصات باعتبارها أدوات قائمة على تحليل الاحتمالات واستشراف المستقبل ، فإنها أثارت بدورها نقاشًا واسعًا حول أخلاقياتها وإمكانية استغلال المعلومات الحساسة لتحقيق أرباح مالية .
تشير تقارير صحفية أمريكية ، من بينها ما نشرته وول ستريت جورنال، إلى تصاعد التحقيقات المرتبطة بشبهات التداول بناءً على معلومات داخلية، خاصة بعد ظهور حسابات راهنت بشكل لافت قبل قرارات سياسية أو دفاعية حساسة .
كما كشفت بعض الوقائع عن استخدام مسؤولين لهويات مستعارة للمشاركة في هذه الأسواق ، ما دفع مجلس الشيوخ الأمريكي إلى تشديد القيود على هذه الممارسات بالنسبة لأعضائه .
وفي السياق ذاته، برزت معطيات تفيد بوجود ارتباطات مباشرة أو استشارية لبعض الشخصيات السياسية بهذه المنصات، من بينها دونالد ترامب جونيور.
ولا يتوقف الجدل عند حدود الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المالية، بل يمتد إلى استخدامات أكثر غرابة للتقنيات الحديثة في المجال الصحي .
فقد ظهرت تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المؤشرات الصحية عبر صور يرسلها المستخدمون ، في محاولة لتقديم تقييمات صحية أو اكتشاف احتمالات مرضية مبكرة.
غير أن هذه التطبيقات فتحت بدورها بابًا واسعًا للنقاش حول الخصوصية وحماية البيانات .
فقد كشفت تقارير إعلامية، من بينها تحقيق نشره موقع ” ميديا 404 ” 404 Media، أن آلاف الصور والبيانات التي يرسلها المستخدمون قد تُخزَّن أو تُتداول في فضاءات رقمية أخرى دون علم أصحابها، بما في ذلك منصات ومنتديات مفتوحة، الأمر الذي يثير أسئلة عميقة حول حدود الأمان الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي .
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام مرحلة انتقالية شديدة التعقيد : تكنولوجيا تتطور بسرعة غير مسبوقة ، مقابل مجتمعات تحاول إعادة تعريف علاقتها بها بين الانبهار والخوف، وبين الوعود الاقتصادية والهواجس الأخلاقية . وربما يكون العنوان الأبرز لهذه المرحلة هو اتساع الفجوة بين سرعة الابتكار وقدرة الإنسان على استيعاب تداعياته الاجتماعية والإنسانية.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية