البيت لم يعد آمنا .. جرائم قتل النساء تفضح عجز الحماية .
تونس – عرب 21 :
لم تعد جرائم قتل النساء في تونس حوادث معزولة يمكن النظر إليها باعتبارها وقائع إجرامية منفصلة .
فتقاربها الزمني ، وتكرارها ، وما يرافق بعضها من مستويات مروعة من العنف ، يضع المجتمع والدولة أمام ناقوس خطر حقيقي : هناك منظومة حماية مطالبة اليوم بأن تُراجع نفسها ، لا فقط بعد وقوع الجريمة ، وإنما قبل أن تصل الأمور إلى نهايتها الأكثر مأساوية .
خلال يومين متتاليين ، شهدت تونس جريمتين مروعتين ، الأولى في ولاية قابس يوم 16 أوت، والثانية في برج الطويل يوم 17 أوت. وبين الجريمتين تفاصيل وملابسات يحددها التحقيق والقضاء ، لكن تزامنهما يفرض سؤالاً أكبر من تفاصيل كل قضية : لماذا مايزال العنف ضد النساء قادرا على التحول إلى قتل ، رغم وجود قوانين وآليات يفترض أن توفر الحماية ؟ .
البيت .. حين يتحول الأمان إلى خطر .
ربما تكمن أكثر جوانب هذه الجرائم إيلاما في أن بعضها يقع داخل المكان الذي يفترض أن يكون الأكثر أمنا : البيت .
فالخطر الذي يهدد المرأة لا يأتي دائما من الشارع أو من شخص غريب ، بل قد يكون خلف الباب ، قريبا منها ، وفي محيط يفترض أن يمنحها الطمأنينة والحماية .
وهنا يتحول العنف الأسري من مجرد خلاف عائلي إلى خطر حقيقي على الحياة عندما تتراكم الاعتداءات، وتُهمل التهديدات ، ولا يتم التدخل في الوقت المناسب .
إن العنف لا يبدأ بالقتل . غالبا ما تسبقه إشارات ، وتهديدات ، واعتداءات ، وخوف متراكم ، وربما شكاوى واستغاثات .
والمشكلة تبدأ عندما لا تُقرأ هذه الإشارات باعتبارها إنذارات مبكرة تستوجب التدخل والحماية .
من العنف إلى القتل.. أين تنكسر الحلقة؟.
لا تكمن خطورة الجرائم الأخيرة في وقوعها فقط ، وإنما أيضا في مستوى العنف الذي رافق بعض الحالات .
فقد تحدثت معطيات متداولة بشأن جريمة برج الطويل عن تعرض الضحية لأكثر من أربعين طعنة، فيما أشارت بيانات لجمعيات نسوية بشأن جريمة مريم عامر في ولاية قابس إلى إصابتها بطعنات قاتلة، من بينها طعنة على مستوى القلب .
وبعيدا عن التفاصيل التي تبقى من اختصاص التحقيق والقضاء ، فإن وحشية الاعتداءات تطرح أسئلة ثقيلة حول الأسباب والظروف التي تسمح للعنف بالتصاعد من خلاف أو اعتداء إلى جريمة قتل .
والأخطر أن المجتمع لا يستطيع أن ينتظر الجريمة حتى تقع ثم يبدأ في البحث عن المسؤوليات .
الوقاية الحقيقية تبدأ قبل لحظة القتل ، عندما يكون بالإمكان حماية الضحية وإبعاد المعتدي ومنع تكرار الاعتداء .
القانون مهم .. لكن الحماية لا تكون على الورق .
أقرت تونس القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ، في خطوة تشريعية مهمة عززت الإطار القانوني لمواجهة مختلف أشكال العنف وحماية النساء .
لكن القانون ، مهما كان متقدما ، لا يستطيع أن يحمي امرأة بمفرده إذا لم تتحول نصوصه إلى إجراءات فعلية وسريعة على الأرض .
فنجاعة منظومة الحماية تُقاس بقدرتها على التقاط الخطر قبل وقوع الجريمة ، والاستجابة السريعة للشكاوى ، وتوفير الحماية للنساء المهددات ، ومتابعة المعتدين ، وضمان الإحاطة النفسية والاجتماعية والقانونية بالضحايا .
ومن هنا ، فإن تكرار هذه الجرائم يستوجب فتح نقاش جدي وهادئ حول أداء منظومة الحماية بأكملها : من الأسرة والمدرسة ، إلى الأمن والقضاء ، مرورا بالمؤسسات الاجتماعية والصحية والجمعيات ووسائل الإعلام .
لا يكفي أن نسأل بعد كل جريمة : من قتلها؟ .
السؤال الأصعب ، وربما الأكثر إلحاحا ، هو : هل كانت هناك إشارات سابقة ؟ هل طلبت الضحية المساعدة ؟ هل كان هناك تهديد معروف ؟ وهل كان بالإمكان التدخل قبل أن تتحول المخاوف إلى مأساة ؟ .
من رد الفعل إلى الوقاية .
إن مواجهة قتل النساء لا يمكن أن تظل مجرد مهمة أمنية أو قضائية . إنها مسؤولية مجتمعية تبدأ بتغيير النظرة إلى العنف داخل الأسرة ، وترفض تبريره باعتباره شأنا خاصا ، وتتعامل مع التهديد والاعتداء باعتبارهما مؤشرين جديين يستحقان التدخل .
المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية : رصد مبكر للخطر ، استجابة سريعة للشكاوى ، حماية حقيقية للنساء المهددات ، ومتابعة دقيقة للحالات التي تنطوي على خطر متصاعد .
فكل اعتداء يتم التقليل من شأنه ، وكل تهديد يُعتبر مجرد لحظة غضب ، وكل امرأة تطلب النجدة ولا تجدها في الوقت المناسب ، قد تكون أمام خطر أكبر مما يتصور المحيطون بها.
أوقفوا قتل النساء ليست مجرد صرخة حقوقية ، ولا شعارا يرفع بعد كل جريمة ثم يخفت مع مرور الأيام .
إنها دعوة إلى حماية أبسط حق يمكن أن يتمتع به الإنسان : الحق في الحياة .
المرأة التي تغلق باب بيتها يجب أن تشعر بالأمان ، لا أن تخشى أن يكون الخطر الأقرب إليها خلف ذلك الباب .
وإذا كان المجتمع يريد فعلا وقف هذا النزيف ، فعليه ألا يكتفي بالسؤال عن الجاني بعد وقوع الجريمة ، بل أن يطرح على نفسه السؤال الأكثر قسوة ومسؤولية :
هل فعلنا ما يكفي لمنع الجريمة قبل أن تقع ؟.

1 Comment
مقال ممتاز