[tunis_weather]

[current_date]
[arabic_search]

تونس 38°C

[current_date]

من غزو الكويت إلى تحديات اليوم … وحدة الخليج قدر لا خيار .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست ذكرى الثاني من أغسطس مجرد محطة في الذاكرة الخليجية ، بل هي جرحٌ تاريخي ما يزال يذكّر المنطقة بأن الأمن لا يُقاس بحدود الدول ، وإنما بقدرتها على حماية مصيرها المشترك .
ففي مثل هذا اليوم من عام 1990 ، استيقظ العالم على وقع اجتياح النظام البعثي العراقي لدولة الكويت ، في عدوان هزّ الضمير العربي والدولي ، وكشف هشاشة التوازنات الإقليمية عندما يُكسر أحد أعمدة الأمن الخليجي .
كان ذلك الحدث نقطة تحول مفصلية في تاريخ كلّ المنطقة .
فلم يكن احتلال الكويت عدوانا على دولة ذات سيادة فحسب ، بل كان اعتداء على فكرة الأمن الخليجي بأكملها ، ورسالة قاسية مفادها أن الخطر إذا نجح في اختراق دولة واحدة ، فلن يتوقف عند حدودها .
ومن هنا جاء تحرير دولة الكويت تتويجا لتضامن خليجي وعربي ودولي ، لكنه كان ، قبل كل شيء، انتصارا لفكرة أن أمن دول مجلس التعاون وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة .
واليوم ، وبعد ستة وثلاثين عاما ، تعود هذه الذكرى في لحظة إقليمية لا تقل تعقيدا وخطورة .
فالمنطقة تواجه تحديات تختلف في أدواتها ، لكنها تتشابه في أهدافها .
وإذا كانت الدبابات قد عبرت الحدود في عام 1990، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات غير التقليدية أصبحت اليوم الوسائل الجديدة لتهديد أمن الدول واستقرارها ، في مشهد يؤكد أن طبيعة المخاطر تغيرت، لكن جوهرها بقي واحدا .
ولعل هذا الإدراك العميق هو ما عبّر عنه الدكتور أنور قرقاش ، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حين قال : “ غدا تحل ذكرى غزو واحتلال الكويت الشقيقة ، وهي مناسبة نستحضر فيها قيمة التضامن الخليجي ووحدة أمننا واستقرارنا . واليوم ، في ظل ما يحيط بنا من تحديات ، تبدو تلك الدروس أكثر إلحاحا من أي وقت مضى . فمصير دول مجلس التعاون مشترك ، ولا نجاة لسفينة تجمعنا إلا بالتعاون والتنسيق ووحدة الصف ” .
هذه الكلمات لا تستدعي الماضي من باب استحضار الألم ، وإنما لتحويله إلى بوصلة للمستقبل .
فالتاريخ لا يُقرأ من أجل البكاء على ما مضى ، بل من أجل تجنب تكرار الأخطاء ، واستثمار الدروس في بناء واقع أكثر صلابة .
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فحسب ، بل أصبح عنصرا أساسيا في استقرار الاقتصاد العالمي . فأي تهديد يطال إحدى دوله ينعكس مباشرة على أمن الطاقة ، وسلامة الملاحة البحرية ، وسلاسل الإمداد ، والأسواق الدولية .
ومن هنا، لم يعد التنسيق العسكري والأمني والسياسي بين دول مجلس التعاون ترفا دبلوماسيا أو خيارا سياسيا ، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات وتشابك المصالح .
كما أثبت مجلس التعاون ، على امتداد أكثر من أربعة عقود ، أن سر قوته لم يكن يومًا في تطابق مواقف أعضائه في كل الملفات ، وإنما في امتلاكهم الحكمة الكافية لإدارة اختلافاتهم داخل البيت الخليجي ، وعدم السماح للخلافات العابرة بأن تتحول إلى ثغرات تنفذ منها الأخطار الخارجية .
فالدول القوية ليست تلك التي تخلو من التباينات ، وإنما التي تعرف كيف تجعل وحدتها الوطنية والإقليمية أعلى من خلافاتها .
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم ، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي المشتركة ، وتطوير التكامل الاستخباراتي ، وتوسيع الشراكات الأمنية ، وتوحيد المواقف السياسية ، بالتوازي مع مواصلة الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التوترات ومنع المنطقة من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة لا رابح فيها .
إن ذكرى غزو و احتلال الكويت ليست مناسبة لاستحضار الماضي فحسب ، بل هي عهد متجدد بأن تبقى دروس التاريخ حاضرة في صناعة المستقبل .
فهي تذكّر الأجيال الجديدة بأن الأوطان لا تحميها الأمنيات ، ولا تصونها الشعارات ، وإنما يحفظها الوعي ، وتحصنها الوحدة ، ويصونها التعاون الصادق والثقة المتبادلة .
لقد تبدلت خرائط النفوذ ، وتطورت أدوات الحرب ، وتغيرت أساليب الاستهداف ، لكن الحقيقة التي أكدها عدوان عام 1990، وما تزال تؤكدها تحديات عام 2026، لم تتغير : أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ ، ومصير دوله واحد ، ومستقبلها لا يمكن أن يُبنى إلا على التضامن والتكامل ووحدة الصف .
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات وتتعاظم فيه التهديدات ، تبقى وحدة مجلس التعاون الخليجي ليست مجرد خيار سياسي ، بل ضرورة وجودية ، وصمام الأمان الذي يحفظ استقرار المنطقة ، ويصون سيادة دولها ، ويؤمن مستقبل شعوبها للأجيال القادمة .

اقرأ أيضاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية