اتحاد إذاعات الدول العربية من الحمامات.. إعلام عربي يعيد صياغة أدوات المستقبل.
– الحمامات – تونس – عرب 21 : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
احتضنت مدينة الحمامات التونسية، يوم 20 سبتمبر، أعمال الاجتماع الـ115 للمجلس التنفيذي لاتحاد إذاعات الدول العربية، برئاسة المملكة العربية السعودية ممثلةً برئيس الاتحاد ورئيس المنتدى السعودي للإعلام الأستاذ محمد بن فهد الحارثي، وبحضور المدير العام للاتحاد المهندس عبدالرحيم سليمان، والنائب الأول لرئيس الاتحاد محمد عبدالمحسن العواش، إلى جانب رؤساء الهيئات العربية الأعضاء ورؤساء الوفود العربية.
ويأتي انعقاد الاجتماع في مرحلة يشهد فيها قطاع الإعلام تحولات عميقة ومتسارعة، لم تعد التكنولوجيا فيها مجرد أداة مساعدة للعمل الصحفي والإذاعي والتلفزيوني، وإنما أصبحت جزءًا من بنية الصناعة الإعلامية نفسها، بما تفرضه من أسئلة جديدة حول الإنتاج والمحتوى والتوزيع والوصول إلى الجمهور.
ومن هذا المنطلق، ناقش المجلس التنفيذي جملة من الملفات المرتبطة بمستقبل العمل الإعلامي العربي، وفي مقدمتها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مشاريع الاتحاد، وتطوير الخدمات والمنصات الرقمية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع الاتحادات والمنظمات الإعلامية الدولية، بما يوسع مجالات التعاون وتبادل الخبرات ويعزز حضور الإعلام العربي في المشهد الإعلامي العالمي.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل رئاسة المملكة العربية السعودية للاتحاد، ممثلةً في الاستاذ محمد بن فهد الحارثي، الذي يجمع في موقعه بين رئاسة اتحاد إذاعات الدول العربية ورئاسة المنتدى السعودي للإعلام، بما يمنح التجربة الإعلامية السعودية حضورًا مؤثرًا في النقاشات المتعلقة بتطوير العمل الإعلامي العربي وآفاقه المستقبلية. ويأتي ذلك امتدادًا لمسار متواصل من العمل داخل الاتحاد، إذ جرى التجديد للحارثي رئيسًا للاتحاد للدورة المقبلة، مع تشكيل المجلس التنفيذي للدورة الجديدة لعامي 2026 و2027.
ولم يقتصر النقاش في الحمامات على الجانب التحريري والتقني، بل امتد إلى البعد الاستثماري، من خلال متابعة عدد من المشاريع التي يعمل الاتحاد على تطويرها، وفي مقدمتها مشروع “أسبو لينك سنتر”، إلى جانب مشروع الفندق الاستثماري للاتحاد في العاصمة السورية دمشق. ويعكس هذا المسار توجهًا نحو تنويع موارد الاتحاد وتوفير قاعدة أكثر استدامة لتمويل مشاريعه وخدماته المستقبلية.
كما تناول الاجتماع آليات الارتقاء بالتبادل الإخباري والبرامجي بين المؤسسات الأعضاء، وتعزيز قدرة الاتحاد على تغطية الأحداث الكبرى في المنطقة العربية والعالم، إلى جانب توسيع مجالات التدريب وتأهيل الموارد البشرية. وهي ملفات تزداد أهميتها في وقت لم يعد فيه التنافس الإعلامي قائمًا على سرعة نقل الخبر وحدها، وإنما على امتلاك الكفاءات القادرة على إنتاج محتوى متنوع، واستخدام الأدوات الحديثة، وفهم التحولات التي طرأت على سلوك الجمهور.
وفي السياق ذاته، بحث المجلس التطورات المرتبطة بتقنيات الفضاء والتبادل الإعلامي، إلى جانب ما حققته منصة “أسبو” السحابية من تطور، في إطار مساعي الاتحاد إلى توسيع خدماته الرقمية وتحديث أدواته بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام.
وتبرز أهمية هذه الملفات في أن اتحاد إذاعات الدول العربية لا يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة تطوير منظومة التعاون الإعلامي العربي. فالتبادل الإخباري والبرامجي، والتدريب، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والشراكات الدولية، كلها تتقاطع اليوم في منظومة إعلامية واحدة تتطلب رؤية تتجاوز الحدود التقليدية للمؤسسات الإذاعية والتلفزيونية.
ومن مدينة الحمامات، بدا أن النقاش داخل الاتحاد يتجه إلى مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، مرحلة لا تكتفي بالحفاظ على آليات التعاون التي تأسس عليها الاتحاد، وإنما تسعى إلى تحديثها وتوسيع أدواتها بما يواكب التحول الكبير في صناعة الإعلام.
فمستقبل الإعلام العربي لن تحدده وفرة المحتوى وحدها، وإنما القدرة على امتلاك التكنولوجيا، وتطوير المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وبناء المنصات، وتوسيع الشراكات، وتحويل التعاون الإعلامي العربي إلى مساحة أكثر قدرة على الابتكار والحضور والتأثير.
ومن هنا، فإن اجتماع الحمامات لا يبدو مجرد محطة دورية في أجندة اتحاد إذاعات الدول العربية، بل يعكس جانبًا من التحول الذي تشهده المؤسسة نفسها: من إدارة التعاون الإعلامي التقليدي إلى التفكير في كيفية بناء أدوات إعلام عربي أكثر استعدادًا لعالم تتغير فيه التكنولوجيا بسرعة، وتتغير معها طبيعة الخبر والجمهور وطرق صناعة المحتوى وتداوله.

