ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
هناك شعوب تُقاس قيمتها و عظمتها بما تملكه من ثروات ، وهناك شعوب تُقاس مكانتها بما تُظهره من وفاء لأوطانها عندما تحيط بها و تتهددها الأخطار .
في دول الخليج الشقيقة ، لم تكن الصواريخ الإيرانية ولا المسيّرات ولا تهديدات الميليشيات الإرهابية التابعة لطهران في العراق واليمن مجرد تحديات أمنية ، بل كانت اختبارا حقيقيًا لطبيعة علاقة المواطن بوطنه، وللرابطة التي تجمع الشعوب بقياداتها .
وكانت النتيجة مثيرة و لافتة لكل من تابع المشهد بعين منصفة .
ففي الوقت الذي اعتقد فيه البعض أن القصف والتهديد المستمر سيزرعان الخوف في النفوس ، وأن الناس ستتدافع نحو المطارات والموانئ هربا من الخطر و المجهول ، جاءت الحقيقة معاكسة تماما .
لم نشهد موجات نزوح جماعية، ولم تتحول العواصم الخليجية إلى مدن يفر منها أهلها ، بل رأينا آلاف المواطنين يلغون إجازاتهم ويؤجلون أسفارهم ويصرون على البقاء في أوطانهم ، مؤمنين بأن ساعة الشدة ليست وقت الرحيل ، بل وقت الوقوف إلى جانب الوطن .
وهذا السلوك لم يكن قرارا فرديا عابرا، بل كان انعكاسا لثقافة راسخة تشكلت عبر عقود ، قوامها أن الوطن ليس فندقا يغادره الإنسان عند أول أزمة ، ولا شركة يبحث فيها عن الأرباح والخسائر ، وإنما هو حياة و بيت وهوية وانتماء ومسؤولية مشتركة .
لذلك كان أبناء الخليج يدركون أن حضورهم في أوطانهم و على ارضهم خلال الأزمات يحمل رسالة لا تقل أهمية عن أي منظومة دفاع جوي أو إجراء أمني ، مفادها أن الشعوب الواثقة بقيادتها لا تُهزم بالحرب النفسية ، ولا تُكسر بالإشاعات ، ولا تُرهبها أصوات الانفجارات .
لقد راهنت القوى العدوة التي تقف خلف تلك الاعتداءات على صناعة الذعر أكثر من رهانها على تحقيق مكاسب عسكرية . فالصواريخ و المسيّرات لا تستهدف المباني والمنشآت فحسب ، بل تستهدف أيضًا معنويات الشعوب وثقتها بدولها .
غير أن أبناء الخليج أسقطوا هذا الرهان حين قدموا نموذجا نادرا في التماسك والاتزان ، وأثبتوا أن العلاقة التي تربطهم بقياداتهم ليست علاقة خوف أو مصلحة مؤقتة ، وإنما علاقة ثقة ووفاء وشعور عميق بالمصير المشترك.
ولعل أعظم ما كشفته تلك المحطات هو أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران .
فقد أنفقت دول الخليج عقودا في ترسيخ مؤسساتها ، وتعزيز الأمن ، وتحقيق التنمية ، ورفع مستوى المعيشة ، وتوسيع فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية .
وكل ذلك أسهم في ترسيخ عقد اجتماعي عزز شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن استقرار الدولة واستمرار نهضتها مسؤولية يتقاسمها الجميع .
لذلك لم يكن مستغربا أن يتحول المواطن نفسه إلى خط دفاع معنوي عن وطنه ، يواجه حملات التخويف بالثبات ، ويرد على محاولات بث الفوضى بمزيد من الالتفاف حول دولته .
إن الأمم العظيمة لا تُعرف فقط بما تشيده من أبراج شاهقة أو بما تملكه من احتياطيات مالية ، وإنما بما يختزنه أبناؤها من قيم الوفاء والانتماء للوطن .
وقد أثبت أبناء الخليج أن الوطنية ليست شعارا يُرفع في المناسبات ، ولا كلمات تُردد في الاحتفالات ، بل هي موقف يُترجم عندما تتعرض الأوطان للامتحان. ففي لحظة الخطر، لم يبحثوا عن أقرب رحلة طائرة مغادرة ، بل تمسكوا بأرضهم ، وآمنوا بأن حماية الوطن تبدأ بالإيمان به والثقة في قدرته على تجاوز المحن .
ومن هنا، فإن أعظم رسالة خرجت بها تلك الأحداث ليست أن الصواريخ يمكن اعتراضها ، فهذا شأن الجيوش ومنظومات الدفاع ، وإنما أن الشعوب المخلصة لأوطانها وقياداتها لا يمكن كسر إرادتها بسهولة .
فحين يلتف الشعب حول دولته ، تتحول الوحدة الوطنية إلى حصن لا تقل قوته عن أي سلاح ، ويصبح الانتماء الصادق أحد أهم عناصر الأمن القومي .


