سبتة ومليلية … حين يصبح الزمن أقوى حليف للمغرب .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الدول بعلو أصواتها، وإنما بمدى قدرتها على صناعة الوقائع.
فالتاريخ لا يخلّد أكثر الخطب حماسة، بل أكثر السياسات حكمة واستمرارية.
ولهذا ، ليست كل المعارك تُخاض بالتصريحات النارية أو باستعراضات القوة ، فهناك دول تفضّل أن تترك للإنجازات مهمة الكلام ، وأن تجعل الزمن نفسه أحد أدواتها الاستراتيجية .
ويبدو أن المملكة المغربية اختارت هذا النهج في إدارتها لأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في علاقاتها مع إسبانيا : ملف سبتة ومليلية .
لقد أعادت الأزمة الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة، إثر التدفق المفاجئ لآلاف المهاجرين، هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي .
فلم يعد الحديث مقتصرًا على الجانب الأمني أو الإنساني، بل عاد السؤال القديم ليطرح نفسه من جديد : ما مستقبل المدينتين اللتين يعتبرهما المغرب جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني ، فيما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما منذ قرون؟ .
وكما هو الحال في كل الأزمات الكبرى ، تكاثرت التفسيرات وتضاربت القراءات .
فمن رأى في ما حدث رسالة مغربية غير مباشرة إلى مدريد ، ومن ربطه بحسابات إقليمية ودولية معقدة ، ومن تحدث عن تدخلات وأدوار لقوى خارجية. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن أيا من هذه الروايات لم يستند إلى أدلة قاطعة ، بينما ظل الواقع الأوضح هو أن المغرب لم يجعل يومًا من افتعال الأزمات وسيلة لإدارة خلافاته، بل اختار طريقًا أكثر حكمة و هدوءا وعمقا وفاعلية .
فالرباط أدركت مبكرا أن معارك القرن الحادي والعشرين لا تُحسم بالشعارات ، وإنما بالاقتصاد، والاستثمار، والبنية التحتية، والنفوذ اللوجستي، والقدرة على صناعة موازين قوة جديدة .
لذلك لم تنشغل بتكرار المطالبة بسبتة ومليلية في كل مناسبة ، بقدر ما انشغلت ببناء دولة أكثر قوة، واقتصاد أكثر تنافسية، وموقع جيوسياسي يجعل العالم مضطرا إلى إعادة قراءة مكانة المغرب .
ولعل ميناء طنجة المتوسط يمثل التعبير الأبرز عن هذه الرؤية .
فهذا المشروع العملاق لم يكن مجرد ميناء حديث، بل كان إعلانًا عن ميلاد قوة بحرية وتجارية جديدة في غرب البحر الأبيض المتوسط ، نقلت المغرب من دولة عبور إلى دولة تأثير .
ثم جاء مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بمشاريع منفصلة، وإنما باستراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى جعل المملكة أحد أهم المراكز اللوجستية العالمية، وحلقة وصل رئيسية بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا.
وفي الإطار نفسه ، لم يكن إنهاء التهريب المعيشي، وإغلاق الجمارك التجارية مع مليلية، قرارا ظرفيا أو رد فعل سياسي ، بل خيارا سياديا يعكس إرادة واضحة لإنهاء نموذج اقتصادي حدودي استثنائي استمر لعقود، وأصبح يتعارض مع الرؤية التنموية الجديدة للمملكة. لقد فضّل المغرب تحمل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا التحول ، مقابل بناء اقتصاد منتج قائم على الاستثمار والتصنيع والتصدير، بدل الاستمرار في اقتصاد ريعي ارتبط بخصوصية الحدود.
وفي المقابل، لم يمنع هذا التحول الاستراتيجي المغرب من الحفاظ على علاقات متينة مع إسبانيا .
بل على العكس، فقد شهدت العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة مرحلة غير مسبوقة من التقارب، خصوصًا بعد الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية قضية الصحراء المغربية .
وهو ما يؤكد أن الرباط تميز بوضوح بين إدارة الخلافات التاريخية، وبين المحافظة على شراكة استراتيجية تخدم مصالح البلدين.
وهنا تكمن خصوصية الدبلوماسية المغربية ، فهي لا تخلط بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقعية السياسية. فالتقارب مع مدريد لا يعني التخلي عن المطالبة التاريخية بسبتة ومليلية، كما أن التمسك بهذا الموقف لا يعني الدخول في منطق التصعيد أو القطيعة . إنها سياسة تقوم على الصبر ، وتراكم عناصر القوة ، وإدارة الزمن بدل مقاومته .
فالزمن الذي اعتقد كثيرون أنه يرسخ الأمر الواقع ، بات اليوم يعمل تدريجيًا لصالح المغرب.
فمع كل ميناء جديد، وكل منطقة صناعية، وكل طريق سريع، وكل مشروع للطاقات المتجددة، وكل استثمار دولي، تتغير الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، وتتبدل معها موازين النفوذ.
وحين تتغير مراكز التجارة العالمية، وتُعاد صياغة سلاسل الإمداد، وتتحول المملكة إلى شريك اقتصادي لا غنى عنه، فإن البيئة الاستراتيجية المحيطة بسبتة ومليلية لن تبقى بمنأى عن هذه التحولات .
ومن هنا ، فإن السؤال الحقيقي لم يعد : ماذا سيقول المغرب بشأن المدينتين؟ بل أصبح: كيف سيؤثر التحول الاستراتيجي الذي تعيشه المملكة في مستقبل هذا الملف على المدى البعيد؟ .
