38°C تونس
06/08/2026
غزة … حين يتحول نزع السلاح إلى اختبار للسلام لا إلى طريق للاستسلام ! .
الافتتاحية

غزة … حين يتحول نزع السلاح إلى اختبار للسلام لا إلى طريق للاستسلام ! .

أغسطس 6, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ سنوات، لم يعد قطاع غزة بحاجة إلى مزيد من التصريحات والوعود، بل إلى قرار سياسي شجاع يوقف آلة الحرب ، ويعيد الحياة إلى أرض أنهكها الدمار واستنزفتها المآسي. لذلك، بدا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في الثلاثين من يوليو، بشأن موافقة حركة حماس على مبدأ نزع سلاحها، وكأنه قد يفتح نافذة أمل لإنهاء واحدة من أكثر الحروب دموية وتدميرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
غير أن هذا الأمل لم يصمد طويلًا أمام قسوة الوقائع .
فبعد أيام قليلة فقط، عادت الطائرات الإسرائيلية لتقصف القطاع ، وسقط مزيد من الضحايا المدنيين ، بينما خرج مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية بتصريحات تؤكد أن الهدف لم يعد يقتصر على إنهاء وجود حماس عسكريًا، بل يمتد إلى فرض السيطرة الكاملة على قطاع غزة .
هذا التناقض بين لغة السياسة ومنطق القوة يكشف حقيقة مؤلمة ، وهي أن الحرب تجاوزت كونها مواجهة عسكرية إلى واقع دائم يلتهم كل فرصة للسلام.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الكبرى عن ترتيبات “ اليوم التالي ”، لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون بين الأنقاض، محرومين من الماء والكهرباء والدواء والمأوى، في مشهد يلخص حجم العجز الدولي عن وضع حد لهذه الكارثة الإنسانية .
ولا شك أن قبول حركة حماس ، إن تأكد بصورة رسمية ونهائية، بمبدأ نزع السلاح يمثل تحولًا سياسيًا غير مسبوق في مسار الحركة، خاصة بعد إعلانها التخلي عن إدارة القطاع . فهذا الموقف كان حتى وقت قريب من المحرمات السياسية والعسكرية ، وكان يُنظر إليه باعتباره خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
ومن الناحية السياسية ، كان من المفترض أن يشكل هذا التحول فرصة تاريخية لإطلاق مسار جديد يقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وتمكين إدارة فلسطينية مدنية من تولي مسؤولياتها ، وبدء مشروع دولي واسع لإعادة إعمار غزة التي تحولت إلى واحدة من أكثر المناطق دمارًا في العالم .
غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في إعلان النوايا، وإنما في غياب الضمانات والإرادة السياسية لتحويلها إلى واقع فلا توجد حتى الآن آلية واضحة لنزع السلاح، ولا جدول زمني ملزم، ولا تصور متكامل يربط بين هذه الخطوة وبين الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال العسكري، بما يضمن ألا يتحول نزع السلاح إلى استسلام من طرف واحد، بينما يبقى الطرف الآخر متمسكًا بسيطرته الكاملة على الأرض.
ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي مضى عليه أكثر من تسعة أشهر، لم يحمل الواقع سوى المزيد من التعقيد.
فقد واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية ووسعت نطاق انتشارها وسيطرتها داخل القطاع، فيما بقيت المبادرات الدولية الخاصة بإدارة غزة أو نشر قوة متعددة الجنسيات حبيسة التصورات الدبلوماسية، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وحتى السلطة الفلسطينية، التي طُرحت باعتبارها الجهة المرشحة لإدارة القطاع، لم تتمكن من العودة لممارسة دورها هناك .
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء حركة حماس من مسؤوليتها السياسية والتاريخية .
فهجوم السابع من أكتوبر 2023 أدخل المنطقة في مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، وفتح الباب أمام حرب مدمرة دفعت غزة وسكانها ثمنها الأكبر .
لكن الإقرار بهذه المسؤولية لا يمكن أن يكون مبررًا لحجم الدمار الهائل الذي طال القطاع، ولا لسقوط أعداد كبيرة من المدنيين ، في حرب أثارت اتهامات واسعة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني .
واليوم، تبدو الأزمة أعمق من مجرد اتفاق يتعلق بنزع السلاح. فالمعضلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية سياسية متكاملة لما بعد الحرب .
فالتردد الإسرائيلي، والرفض المتكرر لأي ترتيبات لا تمنح تل أبيب السيطرة الأمنية الكاملة، إلى جانب الحسابات الانتخابية الداخلية، كلها عوامل تجعل من السلام رهينة للصراع السياسي داخل إسرائيل، بينما يستمر الفلسطينيون في دفع الثمن يومًا بعد يوم.
أما الولايات المتحدة، التي قدمت الإعلان باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا، فتواجه اختبارًا جديدًا لمصداقيتها.
فإذا لم تتمكن من ترجمة هذا الإعلان إلى خطوات عملية وملزمة لجميع الأطراف ، عبر ضمان وقف دائم لإطلاق النار ، وانسحاب القوات الإسرائيلية ، وإطلاق عملية سياسية جادة ، فإن ما جرى لن يتجاوز كونه حدثًا إعلاميًا عابرًا ، وستتآكل مجددًا ثقة شعوب المنطقة في قدرة واشنطن على أداء دور الوسيط القادر على صناعة السلام.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الحروب لا تنتج أمنا دائما، وأن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع أن يصنع سلاما مستقرًا. فالسلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يحسم قضية، ولا يبني مستقبلًا، ولا يخلق تعايشًا بين الشعوب .
إن نزع السلاح ، إذا كان جزءًا من تسوية شاملة، قد يشكل بداية لحل طويل الانتظار، لكنه يفقد معناه إذا لم يقترن بإنهاء الاحتلال، وإطلاق مسار سياسي عادل، وإعادة إعمار غزة، وضمان حق الفلسطينيين في حياة آمنة وكريمة.
فغزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من المؤتمرات أو البيانات ، بل إلى إرادة سياسية صادقة تكسر دائرة الدم ، لأن السلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، وإنما من عدالة تنصف الإنسان، ومن شجاعة سياسية تضع مستقبل الشعوب فوق كلّ الحسابات العسكرية والانتخابية .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *