ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
تأتي ذكرى عيد العرش المغربي هذا العام، والأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية تقدم واحدة من أنجح التجارب التنموية في المنطقة ، بعد أن تحولت ، بفضل الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس ، إلى ورش وطني مفتوح يجمع بين التنمية الاقتصادية ، والاندماج المجالي ، والانفتاح على العمق الإفريقي ، في تجسيد عملي لمقاربة تجعل من التنمية أقوى تعبير عن السيادة وأبلغ رد على مختلف التحديات .
ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين ، دخلت قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة اتسمت بعمق الرؤية وبعد النظر ، إذ لم تعد المقاربة تقتصر على الدفاع السياسي والدبلوماسي عن عدالة الموقف المغربي ، بل ارتكزت على استراتيجية شاملة تجعل من التنمية المستدامة والاستثمار المنتج أساسا لترسيخ مغربية الصحراء ، عبر مشاريع مهيكلة غيرت وجه المنطقة ورسخت حضورها كفضاء اقتصادي واعد وجسر استراتيجي يربط المغرب بامتداده الإفريقي وواجهته الأطلسية .
وخلال العقدين الماضيين ، شهدت مدن العيون والداخلة وبوجدور والسمارة نهضة عمرانية وتنموية غير مسبوقة ، بفضل إطلاق برامج استثمارية ضخمة شملت تطوير البنية التحتية ، وتحديث شبكات الطرق ، وإنجاز الموانئ ، وتعزيز مشاريع الطاقة ، وتوسيع الخدمات الاجتماعية ، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تحسين جودة الحياة ، ورفع جاذبية المنطقة للاستثمار الوطني والدولي.
ويبرز ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي يجسدها هذا التوجه الملكي ، لما ينتظر أن يضطلع به من دور محوري في تعزيز المبادلات التجارية ، وتطوير الربط البحري ، وتحويل الداخلة إلى منصة لوجستية إقليمية تربط المغرب بإفريقيا والأسواق الأطلسية ، فضلا عن استقطاب استثمارات نوعية في مجالات الصيد البحري والصناعة والخدمات .
كما شكل الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة نقلة نوعية في مسار تأهيل الأقاليم الجنوبية ، بعدما عزز الترابط بين شمال المملكة وجنوبها ، وسهل حركة الأشخاص والبضائع ، وخفض كلفة النقل ، وفتح آفاقا أوسع أمام المبادلات التجارية مع بلدان غرب إفريقيا ، بما يعزز مكانة المغرب كمحور اقتصادي إقليمي .
وفي مجال الطاقات المتجددة ، واصلت الأقاليم الجنوبية ترسيخ موقعها كإحدى أهم قواعد إنتاج الطاقة النظيفة بالمملكة ، من خلال مشاريع رائدة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية الاستثنائية التي تزخر بها المنطقة ، في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية الهادفة إلى تحقيق الأمن الطاقي وتعزيز ريادة المغرب في مجال الاقتصاد الأخضر.
ولم تقتصر هذه النهضة على الجانب الاقتصادي ، بل امتدت إلى مختلف القطاعات الاجتماعية ، حيث تم إنجاز مؤسسات تعليمية وصحية ورياضية وثقافية حديثة ، إلى جانب تطوير المرافق العمومية وتوسيع الخدمات الأساسية ، بما يواكب النمو الديمغرافي ويعزز مؤشرات التنمية البشرية ويكرس العدالة المجالية .
وتحل ذكرى عيد العرش هذه السنة لتؤكد استمرار هذا الخيار الاستراتيجي، الذي يقوده الملك محمد السادس بثبات ورؤية بعيدة المدى ، من أجل ترسيخ مكانة الأقاليم الجنوبية كفضاء للتنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادي ، وكبوابة للمغرب نحو إفريقيا والمحيط الأطلسي ، في إطار نموذج تنموي شامل يجعل الإنسان محور التنمية ، ويؤسس لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة .


