نعم … إيران انتصرت !.
بقلم – ابوبكر الصغير .
كلما طرح أحدهم السؤال : هل انتصرت إيران؟ يبدأ بعض أصحاب نظرية ” الانتصار بأي ثمن ” و ما اكثرهم بيننا في تونس ، من هؤلاء الاتباع الموالين للحوزة و ولاية الفقيه ، في استعراض قاموس طويل من الشعارات، حتى تكاد تتخيل أن طهران فتحت أبواب النصر واسعة عريضة ، وأن العالم كله يقف في الطابور لتهنئتها .
لكن دعونا نكون منصفين صادقين بخصوص هذا الانتصار :
نعم، إيران انتصرت فعلا ! .
انتصرت، وبجدارة، إذا كان معيار الانتصار هو القدرة على تحويل الكارثة إلى إنجاز ، والهزيمة إلى رواية ، والفشل إلى صمود استراتيجي.
انتصرت في تجويع شعبها و الزيادة في معاناته ، حتى أصبح المواطن الإيراني في مواجهة شح في السلع ، و أسعار ترتفع، وفرص تضيق، ومستقبل يبدو أكثر غموضا من البيانات الرسمية .
انتصرت في استنزاف ثرواتها ، حين تحولت موارد دولة يفترض أن تبني المدارس والمستشفيات والطرق والمصانع إلى وقود لمغامرات إقليمية وحروب بالوكالة وشبكات مسلحة تمتد من بلد إلى آخر .
انتصرت في تدمير بنيتها الأساسية وإضعاف قدرتها على التنمية ، وكأن شعار المرحلة أصبح : لا بأس أن تتعطل الحياة ما دامت الشعارات تعمل بكفاءة !
انتصرت في زيادة الفقر ، حتى صار المواطن مطالبا بالصبر على الفقر ، والصبر على التضخم، والصبر على العزلة ، والصبر على المستقبل … وربما الصبر حتى على الصبر نفسه .
انتصرت أيضاً في تصدير الإرهاب والتطرف، وفي بناء منظومة واسعة من الوكلاء والميليشيات الارهاببة في العراق و اليمن و لبنان و سوريا الخ .. ، ثم مطالبة العالم بأن يصدق أن كل ذلك مجرد دفاع عن الأمن والاستقرار .
انتصرت في زرع الفتن والانقسامات داخل المنطقة، حتى أصبح الشرق الأوسط أشبه ببيت أُشعلت فيه الحرائق ثم جاء صاحبه ليسأل : من أين جاءت كل هذه الحرارة ؟ .
انتصرت في صناعة الخوف والشك ، وفي تحويل الولاء إلى امتحان ، والاختلاف إلى تهمة ، والمعارضة إلى مؤامرة ، وكل صوت لا يردد الرواية الرسمية إلى مشروع عدو . انتصرت كذلك في الكذب والنفاق السياسي، وفي امتلاك قدرة عجيبة على تقديم الشيء ونقيضه في الجملة نفسها : حرب من أجل السلام ، وميليشيات من أجل الاستقرار، وتدخلات من أجل السيادة، وتدمير من أجل البناء ! .
أما القضية الفلسطينية، التي لطالما رفعت إيران رايتها عاليا ، فالسؤال البسيط هو : ماذا ربحت فلسطين من كل هذه المغامرات؟ هل انتهت معاناة الفلسطينيين؟ هل توقفت الحروب؟ هل ازدهرت غزة؟ هل أصبح الفلسطيني أكثر أمنا و امانا وحرية وكرامة؟ أم أن القضية تحولت ، في بعض الحسابات الإقليمية، إلى ورقة سياسية وشعار جاهز للاستهلاك كلما احتاجت طهران إلى تبرير سياسة هنا أو مناورة هناك ؟.
ماساة لبنان و تدخلاتها السافرة في شؤونه ، فباي حق تضع نفسها وصية عليه و على شعبه .
وحتى في الداخل الإيراني، يبدو أن هناك انتصارا آخر : تعطيل التنمية، واستنزاف الاقتصاد، وتبديد الإمكانات، وإبعاد البلاد عن فرص التعاون والاستثمار، ثم مطالبة المواطن بأن يصفق لكل ذلك لأنه مقاومة ! يا لها من عبقرية!
يمكن لإيران اليوم ، أن تسجل نصرا آخر إضافيا في تحقيق شيء نادر : جمع خصومها وأصدقائها المحتملين على القلق من سياساتها، ودفع دول كثيرة إلى التعامل معها باعتبارها مشكلة أمنية وسياسية أكثر منها شريكا طبيعيا في الاستقرار الإقليمي .
وهنا تصبح المعادلة ساخرة إلى حد العبث : كلما زاد الفقر ، قيل صمود .
كلما زادت العزلة ، قيل سيادة و استقلال.
كلما اتسعت دائرة الميليشيات الإرهابية ، قيل مقاومة.
كلما تراجعت التنمية ، قيل مؤامرة.
كلما احتج الشعب، قيل خونة و عملاء.
وكلما جاءت النتائج عكس الوعود ، خرج بيان جديد يعلن انتصارا تاريخيا .
لكن التاريخ لا يكتب بالعواطف و بالبيانات.
التاريخ يسأل : ماذا أنجزتم و ماذا بنيتم؟ كم مدرسة أنشأتم ؟ كم مستشفى طورتم؟ كم فرصة عمل خلقتم؟ كم مواطناً أصبح أكثر أمناً وثراء وكرامة؟ كم دولة مجاورة أصبحت أكثر استقراراً بسببكم ، لا أكثر خوفا؟
وهنا تحديداً يصبح الحديث عن انتصار إيران بحاجة إلى تعريف جديد.
نعم، لقد انتصرت إيران… إذا كان الانتصار هو أن تخسر الشعوب ويظل الخطاب منتصرا لك وحدك .
أما إذا كان الانتصار يعني بناء دولة قوية، واقتصادا مزدهرا ، ومجتمعا آمنا ، وعلاقات طبيعية مع العالم، واحترام إرادة الشعب، وخدمة القضايا العادلة بدل استخدامها وقوداً للصراع، فالسؤال لا يعود: هل انتصرت إيران؟
بل يصبح السؤال الحقيقي: على من انتصرت؟
وعندما يكون من بين أكبر ضحايا النصر ، الشعب الإيراني نفسه، فربما علينا أن نبحث عن اسم آخر لهذه الحكاية.
فليس كل من أعلن انتصاره قد انتصر… أحياناً يكون الإعلان عن الانتصار هو آخر ما تبقى من الانتصار نفسه .
