الإمارات تواجه العدوان الإيراني بثبات الأقوياء .
بقلم – ابوبكر الصغير .
لم يعد العدوان الإيراني مجرد خطاب سياسي متشنج أو تهديدات عابرة ، بل بات سلوكا خطيرا يستهدف أمن المنطقة وحرية الملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي .
فما حدث مجددا في مضيق هرمز ، باستهداف ناقلتين تابعتين لشركة ” أدنوك ” الإماراتية، يمثل تصعيدًا خطيرا لا يمكن تبريره ولا السكوت عنه .
لقد أدانت دول خليجية وعربية ، وفي مقدمتها السعودية وقطر والكويت والأردن ومصر، هذه الاعتداءات، كما أدانها مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي وتهديدا مباشرا لسلامة الملاحة وأمن الطاقة العالمي .
إن استهداف السفن التجارية في ممر دولي حيوي ليس ” مقاومة ” ولا ” دفاعًا عن النفس ، بل هو سلوك ارهابي ، عدواني يضع التجارة العالمية وأمن الطاقة وسلامة البحارة أمام خطر الابتزاز السياسي والعسكري. والأخطر من ذلك أن تحويل مضيق هرمز إلى أداة للضغط والتهديد يكشف عن عقلية ترى في الممرات الدولية أوراقا للمساومة ، وفي أمن الشعوب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
وهنا تبرز الإمارات العربية المتحدة بصورة مختلفة تماما.
فأبوظبي، وهي التي تعرضت ناقلاتها للاعتداء، لم تنجر إلى ردود فعل انفعالية ، ولم تسمح للاستفزاز بأن يدفعها إلى خطوات غير محسوبة .
لقد اختارت الدولة الهدوء ، وضبط النفس ، والتحرك المسؤول ، مع التمسك بحقها الكامل في حماية أمنها ومصالحها وسيادتها.
وهذه ليست علامة ضعف، كما قد يتوهم البعض ، وإنما هي إحدى صور القوة الحقيقية.
فالقوة ليست دائما في سرعة إطلاق النار ، وإنما في القدرة على امتلاك القرار عندما يحاول الآخر دفعك إلى الفوضى .
والحكمة ليست تراجعا ، وإنما هي أن تعرف متى تصمت ، ومتى تتحرك ، ومتى تجعل القانون الدولي والموقف العربي والدولي يقف إلى جانبك .
لقد أثبتت الإمارات كعادتها ، و مرة أخرى، أن الدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى الصراخ حتى تثبت قوتها .
يكفيها أن تتحرك بعقل بارد ، وأن تحمي مصالحها ، وأن تترك الوقائع تتحدث .
والوقائع اليوم واضحة كاشفة : ناقلات تجارية إماراتية سلمية استُهدفت في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ، فيما أكدت الإمارات أن استهداف السفن التجارية واستخدام مضيق هرمز أداة للإكراه الاقتصادي أو الابتزاز يمثل أعمال قرصنة و تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي .
أما إيران، فإن استمرارها في هذا النهج لا يعكس قوة دولة مسؤولة واثقة ، بل يكشف عن خطورة سياسة تقوم على التهديد والابتزاز وتوسيع دائرة التوتر .
والأخطر أن نتائج هذه السياسة لا يدفع ثمنها الإيرانيون وحدهم ، فكل اعتداء على الملاحة يرفع مخاطر التجارة والطاقة والتأمين والنقل ، ويهدد اقتصاد دول المنطقة والعالم . وقد انعكست الهجمات الأخيرة بالفعل على أسواق النفط العالمية ، مع ارتفاع الأسعار وسط المخاوف من استمرار اضطراب الملاحة في المضيق.
ومن هنا، فإن التحية للإمارات ليست مجرد مجاملة سياسية ، بل هي تحية لموقف حكيم لدولة اختارت أن تواجه الاستفزاز بالتعقل ، والعدوان بالمسؤولية، والتهديد بالثبات.
تحية للإمارات التي لم تسمح للإرهاب الإيراني أن يجرها إلى مستنقع الفوضى .
تحية لدولة تعرف أن حماية الوطن لا تعني فقدان العقل ، وأن ضبط النفس لا يعني الاستسلام ، وأن السلام لا يعني التنازل عن الحق .
لقد أرادت إيران أن تجعل من مضيق هرمز ساحة للترهيب ، لكن الإمارات، بصبرها وحكمتها وثباتها ، تؤكد أن أمن الدول لا يُصان بالانفعال ، وإنما بالقوة المسؤولة ، وبالتحالفات ، وبالقانون ، وبالقرار السيادي.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجها إلى المجتمع الدولي : إلى متى يُسمح بأن تتحول الممرات الدولية إلى رهينة للتهديد والابتزاز؟ .
إن أمن الملاحة الدولية ليس شأنًا إماراتيًا أو خليجيًا فحسب ، بل قضية امن عالمي .
ومن يعتدي على سفينة تجارية في ممر دولي، إنما يعتدي على مبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي .
ولذلك فإن مواجهة الإرهاب والعدوان الإيراني لا ينبغي أن تكون مسؤولية الإمارات وحدها، بل مسؤولية كل من يؤمن بأن البحار والممرات الدولية ملك للتجارة والسلام، وليست ساحات للقرصنة والابتزاز .
أما الإمارات ، فستبقى كما عرفها العالم : دولة هادئة في خطابها ، قوية في قرارها ، حكيمة في مواقفها ، وصاحبة رؤية تعرف أن الانتصار الحقيقي ليس في الانفعال ، وإنما في القدرة على حماية الوطن والمصالح من دون أن تفقد الدولة بوصلتها .
إنها قوة الصبر حين يكون الصبر موقفا، وقوة الحكمة حين تكون الحكمة شجاعة.
