الشيخ مشعل الأحمد … حزم السيادة وهدوء الحكمة .
بقلم – ابوبكر الصغير
تظهر لنا القراءة الممتعة للتاريخ أنّه لم يستطع قائد أن ينجح في القيادة دون أن يقنع شعبه بأنّه قد وضعه في المقام الأول وقبل كل شيء.
و يقول ذلك العظيم نابليون : ” القائد وحده مصدر أمل شعبه ” .
هذه هي الكويت الحبيبة ، و هذه قيادة الكويت الحكيمة .
في أوقات الأزمات الكبرى، لا تُقاس حكمة الدول بعدد الكلمات التي تطلقها، ولا بحجم الضجيج الذي تصنعه، وإنما بقدرتها على حماية وطنها ، وصون سيادتها ، وإبعاد شعبها عن نيران لا تخدم مستقبله .
من هنا تبدو الكويت الحبيبة ، بقيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح ، نموذجا لسياسة هادئة تعرف متى تكون حازمة ، ومتى يكون الصمت أبلغ من التصعيد ، ومتى يكون الحوار قوة وليس تراجعا .
الكويت ليست دولة تبحث عن الحرب ، لكنها أيضا ليست دولة تقبل المساس بأمنها وسيادتها .
هذه المعادلة الدقيقة هي جوهر السياسة التي اختارتها القيادة الكويتية الحكيمة في التعامل مع التوترات الإقليمية ، وفي مقدمتها الحرب والتصعيد المرتبطان بإيران .
أثبتت الكويت أن ضبط النفس لا يعني ضعفا ، وأن الدعوة إلى السلام لا تعني التخلي عن الحق في الدفاع عن الوطن .
بل إن الدولة التي تعرف قيمة السلام هي الأكثر إدراكا لكلفة الحرب ، والأكثر حرصا على ألا يتحول الخليج إلى ساحة مفتوحة لصراعات تستنزف الإنسان والاقتصاد والأمن والاستقرار .
حين يقول سمو أمير الكويت إن ” الوطن خط أحمر ” ، فإن العبارة لا تبدو مجرد موقف سياسي عابر ، وإنما تختصر فلسفة كاملة في الحكم : السيادة ليست مجالا للمساومة ، وأمن الكويت وشعبها فوق كل اعتبار .
وفي المقابل ، فإن الكويت لا ترى في القوة العسكرية وحدها طريقا لحماية المستقبل . فهذه الدولة التي عُرفت تاريخيا بدبلوماسيتها، وبقدرتها على مد الجسور بين المختلفين، تتمسك بأن تظل أرضها مساحة للسلام و للحوار، لا مسرحا لتصفية الحسابات .
وهنا تكمن القيمة الإنسانية والسياسية للموقف الكويتي .
ففي منطقة كثيرا ما تدفع فيها الشعوب ثمن القرارات المتسرعة ، اختارت القيادة الكويتية بحكمتها أن تحمي بلادها من الانجرار إلى مواجهة شاملة ، وأن تجمع بين اليقظة الدفاعية والانفتاح الدبلوماسي ، وبين حماية السيادة وفتح أبواب الحلول السياسية .
هذه ليست معادلة سهلة.
فالحرب حين تبدأ لا تسأل عن حجم الدولة ولا عن رغبة شعوبها في السلام ، وقد تتحول في ساعات إلى تهديد للمطارات والموانئ والمنشآت الاقتصادية والمجتمعات المدنية . ولذلك فإن حماية الكويت لا تكون فقط بإسقاط التهديدات في السماء ، وإنما أيضا بمنع النار من الوصول إلى القرار السياسي .
وللكويت في هذا المجال إرث عظيم عريق . فقد ارتبط اسمها ، على مدى عقود ، بالوساطة وتقريب وجهات النظر والعمل من أجل احتواء الأزمات .
وهذا الإرث الدبلوماسي الذي حمله الراحل المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ، يستمر اليوم بروح مختلفة ولكن بالثوابت نفسها و بعين الحكمة في عهد سمو الشيخ مشعل الأحمد امير البلاد .
لقد عرفت الكويت دائما أن الدولة مهما كانت حدودها يمكن أن تكون كبيرة و عظيمة بسياساتها و بمواقفها و بدبلوماسيتها ، وأن احترام الآخرين لا ينتقص من احترام الذات ، وأن امتلاك القدرة على الدفاع عن الوطن يتكامل مع امتلاك القدرة على صناعة السلام .
ولذلك فإن الإشادة بحكمة سمو أمير الكويت ليست مجاملة سياسية ، بل قراءة في تجربة خليجية رائدة تؤكد أن القيادة الرشيدة هي وحدها التي تستطيع أن ترى أبعد من لحظة الغضب و رد الفعل المتسرع ، وأن تفكر في اليوم التالي للحرب ، لا في لحظة اشتعالها فقط .
الكويت اليوم تقول للعالم و بوضوح كامل : لا مساومة على السيادة، ولا تهاون في حماية الوطن، وفي الوقت نفسه لا رغبة في تحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة .
إنها معادلة تجمع الحزم بالحكمة، والقوة بالمسؤولية، والسيادة بالسلام .
وهذا بالضبط ما يجعل للكويت مكانتها الخاصة في الوجدان العربي والخليجي : دولة كبيرة في مواقفها ، عزيزة بشعبها، عريقة بدبلوماسيتها ، وقادرة على أن تجعل من الحكمة موقفا ، ومن السلام سياسة .
وفي زمن تكثر فيه أصوات المدافع ، يبقى صوت العقل أكثر حاجة إلى أن يُسمع .
ومن الكويت الحبيبة ، ومن قيادتها الحكيمة ، تأتي رسالة بالغة الدلالة : يمكن للدولة أن تحمي حدودها من دون أن تغلق أبواب الحوار ، ويمكنها أن تكون قوية من دون أن تكون متهورة ، وأن تتمسك بحقها في الدفاع عن نفسها ، وفي الوقت نفسه تعمل من أجل أن يعود الخليج إلى ما يستحقه من أمن وازدهار وسلام.
هذه كويت العزة التي نحبها… الكويت التي تجعل من الحكمة قوة، ومن الدبلوماسية جسرا، ومن الوطن أمانة لا تقبل المساومة.
