إيران بين شعب يدفع الثمن ، و نظام يصر على السير نحوالهاوية .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
هناك لحظات في الحروب تتراجع فيها أهمية الخرائط أمام وجوه الناس ، وتصبح الأرقام أقل تعبيرًا من رفوف الصيدليات الفارغة ، ومطابخ تقلّصت موائدها ، وبيوت تعجز عن دفع الإيجار .
تلك هي اللحظات التي يبدو أن إيران تقترب منها .
فبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن الصمود والقدرة على مواصلة المواجهة ، يعيش الإيرانيون حربا أخرى ، أكثر هدوءا وأكثر قسوة : حربًا مع الأسعار، والبطالة، وتراجع العملة، وكلفة الدواء، والإيجار، والطعام.
وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في 29 سبتمبر، بدت صورة الاقتصاد الإيراني شديدة القسوة : أصحاب متاجر يخفضون هوامش أرباحهم لأن الزبائن لم يعودوا قادرين على الشراء ، عائلات استنزفت مدخراتها ، موظفون فقدوا أعمالهم ، وأشخاص غادروا المدن الكبرى بحثًا عن حياة أقل كلفة .
ولم تعد الضغوط محصورة في الفئات الأكثر فقرا ، بل امتدت إلى شرائح كانت إلى وقت قريب قادرة على الحفاظ على مستوى معيشة أفضل .
زد وهنا تبدأ المفارقة الإيرانية الكبرى .
النظام يخوض المواجهة بمنطق دولة تريد أن تظهر قادرة على الاحتمال ، بينما يخوض المواطن معركته اليومية بمنطق أسرة تريد فقط أن تصل إلى نهاية الشهر .
النظام يتحدث عن الصمود ، والمواطن يسأل عن ثمن الدواء .
النظام يتحدث عن القوة ، والمواطن يبحث عن عمل .
النظام يتحدث عن المواجهة ، والأسرة الإيرانية تعيد حساب ما تستطيع شراءه من طعام .
وحين يصبح الدواء عبئا ، والإيجار معركة ، ومستلزمات المدرسة كلفة ثقيلة ، وحتى إصلاح السيارة قرارًا مؤجلا ، فإن السؤال يتغير جذريا .
لم يعد السؤال : كم تستطيع الدولة أن تتحمل ؟ .
بل : كم يستطيع المجتمع أن يدفع؟ .
قد يستطيع النظام أن يواصل خطابه ، وأن يرفع سقف التحدي ، وأن يقدم كل تراجع على أنه مناورة ، وكل خسارة على أنها تضحية، وكل أزمة على أنها ثمن للصمود .
لكن هناك شيئًا لا تستطيع الخطابات فعله : لا يمكن أن تتحول الشعارات إلى خبز، ولا التهديدات إلى دواء، ولا الصواريخ إلى رواتب، ولا الحديث عن الانتصار إلى أموال تعيد للأسرة مدخراتها التي استنزفتها الحرب.
وهنا يصبح السؤال الذي يفترض أن يسبق مواجهة واشنطن أو التصعيد مع الجيران أكثر إلحاحًا:
إلى متى يمكن تحميل شعب كامل كلفة معركة لا يملك قرار استمرارها؟
واللافت أن الضغط الاقتصادي الذي كان يراد له أن يكون أداة لإضعاف قدرة إيران على مواصلة الحرب، بدأ يدخل في الحسابات التي تدفع نحو البحث عن مخرج دبلوماسي.
فالمفاوضات غير المباشرة لم تتوقف ، وبرزت في الأيام الأخيرة محاولة لربط إعادة فتح مضيق هرمز بتخفيف الضغط الأمريكي ورفع القيود عن الموانئ الإيرانية، قبل الانتقال إلى مسار تفاوضي أوسع. كما تشير التقارير إلى أن الاتصالات ما زالت مستمرة، رغم بقاء خلافات جوهرية حول ترتيب الخطوات، وحول القضية النووية التي تصر واشنطن على إدراجها في أي اتفاق أوسع.
وهنا لا تكمن العقدة في غياب المخارج، بل في كلفة كل مخرج .
فطهران تريد تخفيف الضغط أولًا ثم الانتقال إلى الملفات الكبرى، بينما تريد واشنطن معالجة الملفات الأساسية ضمن اتفاق أوسع.
وبين الموقفين تقف إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: كلما طال أمد الحرب ارتفعت كلفتها على الاقتصاد والمجتمع، وكلما اقتربت من التسوية ارتفعت الكلفة السياسية على نظام بنى جزءًا كبيرًا من خطابه على الصمود وعدم الخضوع.
ومن هنا يمكن أن تتشكل ثلاثة مسارات .
الأول هو استمرار المواجهة .
وهذا يعني أن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية ستواصل التراكم، وأن الضغط على الأسواق والطاقة والمجتمع الإيراني سيزداد، فيما تبقى المنطقة بأكملها معرضة لمزيد من الاضطراب.
والثاني هو الذهاب إلى اتفاق واسع ، بما يتطلبه ذلك من تنازلات متبادلة. وهذا قد يفتح الطريق أمام خفض التصعيد، لكنه سيضع القيادة الإيرانية أمام امتحان سياسي داخلي صعب: كيف تفسر لجمهورها حجم التنازلات التي اضطرت إلى قبولها بعد سنوات من خطاب القوة والمواجهة؟
أما المسار الثالث ، فيبدو أكثر ارتباطًا بمنطق الواقع: تسوية مرحلية تبدأ بخفض التصعيد، وإعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز، وتخفيف متبادل للضغط، ثم الانتقال إلى الملفات الأكبر.
وهذا الاحتمال ليس مجرد تصور نظري . فالتحركات الدبلوماسية الحالية تدور بالفعل حول هرمز، والعودة إلى مسار تفاوضي أوسع، وإن كانت الهوة بين الطرفين لا تزال كبيرة.
لكن هناك عاملًا رابعًا أكثر قسوة من كل الحسابات السياسية: الوقت.
فالوقت في هذه الحرب ليس محايدًا.
كل أسبوع إضافي يعني مزيدًا من الاستنزاف داخل إيران، ومزيدًا من الضغوط على حركة التجارة والطاقة، ومزيدًا من الأعباء على الدول والشعوب المحيطة بالصراع.
وفي 30 سبتمبر، واصلت العملة الإيرانية تسجيل مستويات قياسية متدنية، فيما أفادت تقارير بارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، بما يعكس عمق الأزمة التي تواجه الأسر الإيرانية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: من الأقوى عسكريًا ؟.
ولا حتى: من سينتصر في نهاية الحرب ؟ .
السؤال الأكثر واقعية هو: من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار، ومن يملك مساحة أوسع للعودة من حافة الهاوية؟
فالولايات المتحدة نفسها تدفع كلفة اقتصادية وسياسية، وأسعار الطاقة والاضطراب في الأسواق لا يمران من دون ثمن .
لكن إيران تواجه معادلة أكثر قسوة، لأن الحرب تلتقي داخلها مع اقتصاد يعاني أصلًا من العقوبات والاختلالات، ومع مجتمع بات يشعر مباشرة بتراجع قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.
وهنا تحتاج كلمة ” الصمود ” إلى معنى آخر.
فالصمود لا يمكن أن يعني أن يبقى النظام واقفًا بينما ينخفض مستوى معيشة شعبه.
ولا يمكن أن يكون الانتصار هو قدرة الدولة على إطلاق المزيد من الصواريخ، فيما تعجز عائلة عن شراء الدواء.
ولا يمكن أن تكون حماية السيادة ذريعة تجعل المواطن أول من يدفع ثمن القرار السياسي وآخر من يعرف إلى أين تتجه بلاده.
الدولة ليست حدودًا وجيشًا وحكومة فقط.
الدولة شعب أيضًا .
وحين يصبح الشعب هو المخزون الذي تُستهلك موارده ومدخراته وفرصه ومستقبل أبنائه في حرب طويلة، فإن السؤال يتجاوز الحسابات العسكرية إلى سؤال سياسي وأخلاقي أكبر:
هل تستمر المواجهة من أجل حماية الشعب، أم يُطلب من الشعب أن يستمر فقط من أجل حماية صورة النظام ؟.
لقد أظهرت الأشهر الماضية أن إيران ما زالت تملك أوراق ضغط خطيرة، وأنها قادرة على إلحاق أضرار كبيرة، خصوصًا عبر موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة والطاقة.
لكن القدرة على إلحاق الضرر ليست هي القدرة على تحمل ثمن الحرب إلى ما لا نهاية.
ومن هنا، قد لا يكون المشهد الإيراني مقبلًا بالضرورة على ” استسلام ” أو ” انتصار ” بالمعنى الذي تحاول الخطابات السياسية اختزاله.
ربما يكون أمام شيء أكثر تعقيدًا :
تراجع متدرج عن حافة الهاوية، من دون أن يضطر أي طرف إلى الاعتراف بأنه تراجع.
وهنا بالذات يمكن أن تجد التسوية المرحلية طريقها.
هدنة تُقدَّم باعتبارها خطوة تكتيكية، وفتح للمضيق باعتباره قرارًا سياديًا، ومفاوضات باعتبارها انتصارًا للدبلوماسية لا تراجعًا أمام الخصم.
ففي السياسة، كثيرًا ما تكون التسويات الأكثر قابلية للحياة هي تلك التي تسمح لكل طرف بالعودة إلى جمهوره من دون أن يعلن أنه خسر.
لكن وسط كل هذه الحسابات، هناك حقيقة أكبر من واشنطن وطهران، وأكبر من هرمز والعقوبات والمفاوضات :
هناك شعب إيراني يعيش الحرب لا في غرف التفاوض، ولا في بيانات الحكومات، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية .
شعب يريد الدواء قبل أن يريد الانتصار .
يريد الخبز قبل الخطابات .
يريد العمل قبل الشعارات .
ويريد الأمان قبل أن يسمع من جديد أحاديث القوة .
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأصعب التي يتعين على طهران أن تسمعها : الحرب التي تستطيع الدولة أن تواصلها سياسيًا وعسكريًا، قد لا يستطيع المجتمع أن يتحملها اقتصاديًا وإنسانيًا.
وعندما يصل الصراع إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال: من سيصرخ أولًا ؟ً .
بل يصبح السؤال الأهم : من سيتذكر أولًا أن الشعب ليس وقودًا للحرب، وأن إنقاذ الإنسان قد يكون أحيانًا أهم من مواصلة معركة لا يعرف المواطن العادي متى تنتهي، ولا لماذا يدفع ثمنها وحده ؟.
