ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
لم تعد الميليشيات الإرهابية. المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في العراق مجرد جماعات مسلحة تتحرك داخل حدود الدولة العراقية ، بل تحولت ، في نظر العديد من الحكومات العربية ، بل في نظر كل العالم ، إلى أداة إقليمية تجرّ المنطقة إلى دوامة من التوتر وعدم الاستقرار .
لقد نبهت و أشارت دول عربية عديدة ، من بينها السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن الخ … في أكثر من مناسبة إلى تعرضها لاستهدافات وهجمات أو تهديدات انطلقت من الأراضي العراقية ، مطالبة الحكومة العراقية بتحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية في وضع حد لهذه الأعمال ومنع استخدام أراضيها منصة للاعتداء على دول الجوار .
إن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة العراقية ، وترك القرار الأمني رهينة لميليشيات تدين بالولاء لجهات خارجية ، لا يهدد العراق وحده ، بل يضع المنطقة بأسرها أمام تحديات خطيرة .
فلا يمكن بناء علاقات حسن جوار ، ولا تحقيق تنمية واستقرار ، في ظل جماعات تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وتتصرف بمعزل عن مؤسسات الدولة ، وتربط حساباتها بمشاريع إقليمية تتجاوز المصالح الوطنية العراقية .
لقد بات واضحا أن شبكة النفوذ التي نسجها الحرس الثوري الإيراني في عدد من الدول لا تقوم على التعاون أو الشراكة ، وإنما على إنشاء أذرع مسلحة قادرة على ممارسة الضغط وفرض الوقائع وتهديد الأمن الإقليمي . ولهذا يصف كثير من المراقبين هذه الشبكة بأنها أشبه بـ” أخطبوط ” الارهاب الذي يمتد عبر الحدود ، مستفيدا من هشاشة الأوضاع في بعض المناطق والصراعات الداخلية لتوسيع نفوذه .
ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الدول المستهدفة فحسب ، بل ينعكس أيضا على العراق نفسه ، الذي يجد نفسه في مواجهة ضغوط دبلوماسية وسياسية متزايدة ، بينما يتطلع شعبه إلى استعادة سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ، وإقامة أفضل العلاقات مع محيطه العربي .
إن الدول العربية التي أعلنت رفضها لهذه الاستهدافات لم تكن تدافع عن أمنها الوطني فحسب ، بل كانت تؤكد مبدأ أساسيا في القانون الدولي ، وهو احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضي أي دولة للاعتداء على دولة أخرى . وهذا المبدأ لا يحتمل التأويل أو الانتقائية ، لأنه يمثل حجر الأساس للاستقرار الإقليمي .
لقد سبق لنا أن شاركنا في إعداد مؤلف تناول ظاهرة الأذرع الإيرانية العابرة للحدود ، وكيف تحولت هذه الشبكات ، وفق ابحاث و دراسات و حتى وقائع، إلى أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة و العالم . وما تشهده الساحة العراقية اليوم يعيد التأكيد على أن معالجة هذه الظاهرة لم تعد خيارا سياسيا ، بل ضرورة لحماية الأمن العربي وصون سيادة الدول وتمكين شعوب المنطقة من العيش في بيئة يسودها السلام والاستقرار ، بعيدا عن منطق الميليشيات والصراعات بالوكالة .


