38°C تونس
14/08/2026
سلطان القاسمي يكتب بالعلم ، مستقبل الشارقة .
علوم

سلطان القاسمي يكتب بالعلم ، مستقبل الشارقة .

أغسطس 13, 2026

بقلم أبوبكر الصغير.

هناك حكامٌ ارتبطت مسيرتهم بالحكمة و العدل و الإنسانية ، لا يقاس نفوذهم بما يملكون من قوة، و انما باعمالهم و إنجازاتهم بما يبنون من اجل الإنسان .
حكام يؤمنون بأن أعظم ثروة يمكن أن تملكها الأمم ليست في الأرض ولا في المال ، وإنما في هذا الانسان حين يتسلح بالعلم، ويجد من يفتح أمامه أبواب المعرفة.
ومن هذا المعنى تحديدا يمكن قراءة قرار صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ، باعتماد 470 منحة دراسية للطلبة من مختلف دول العالم للالتحاق بالجامعة القاسمية خلال العام الأكاديمي 2026–2027.
قد يبدو الرقم مجرد رقم في خبر تعليمي ، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أكبر بكثير .
إنه 470 فرصة جديدة أمام إنسان قد يأتي من مكان بعيد، و ربما من بيئة فقيرة لم تكن تملك له كثيراً من الأبواب، ليجد في الشارقة باب امل جديد ، مفتوحا نحو المستقبل.
وهنا تكمن اهمية القرار و عظمة الفكرة .
فالمنحة الدراسية ليست مجرد مقعد في جامعة، وليست مجرد إعفاء من تكاليف الدراسة .
إنها رسالة إنسانية من حاكم كريم مثال رحمة و خير إلى شاب أو فتاة تقول لهما : إن مستقبلكما يستحق أن يُمنح فرصة ، وإن عقولكما تستحق أن تُستثمر، وإن الإنسان يمكن أن يعبر الحدود لا بجواز سفره فقط ، وإنما بعلمه ومعرفته وقدرته على صناعة الخير .
هذا هو الاستثمار الحقيقي في الإنسان .
وحين يختار الشيخ سلطان القاسمي أن يجعل العلم جسرا بين الشعوب ، فإنه لا يبني جامعة فحسب، بل يبني مساحة إنسانية تلتقي فيها الثقافات ، وتتجاور فيها اللغات ، وتتعارف فيها العقول .
الجامعة القاسمية اليوم تضم طلبة من 140 جنسية من كل انحاء العالم ، وهذه الصورة وحدها تقول الكثير عن الرؤية التي تقف خلف هذا المشروع الحضاري العظيم .
140 جنسية تجتمع في مكان واحد .
طلاب جاؤوا من بيئات وثقافات وتجارب مختلفة، لكنهم يلتقون حول شيء واحد : المعرفة.
هنا تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية إلى ما يشبه خريطة مصغرة للعالم ، عالم لا تسأل فيه المعرفة الإنسان من أين جاء قبل أن تمنحه فرصة أن يتعلم .
إنها صورة عظيمة جميلة للشارقة التي أرادها سلطان القاسمي : مدينة لا تكتفي بأن تكون عاصمة للثقافة، وإنما تجعل الثقافة والتعليم جسراً للتواصل الحضاري .
والأجمل في هذه التجربة أن المعرفة لا تُقدَّم هنا باعتبارها مجرد مهارة للحصول على وظيفة ، وإنما باعتبارها قيمة إنسانية قادرة على تهذيب العقل ، وتوسيع الأفق ، وتعميق القدرة على الحوار وفهم الآخر .
ولهذا فإن الجمع بين جودة التعليم والقيم الإسلامية السمحة والانفتاح على الثقافات ليس تفصيلا ثانويا . إنه جوهر المشروع لدى صاحب السمو حاكم الشارقة .
فالعلم حين ينفصل عن الأخلاق قد يتحول إلى قوة بلا بوصلة، أما حين يلتقي العلم بالاعتدال والتسامح واحترام الإنسان ، فإنه يصبح قوة لبناء المجتمعات وتقريب الشعوب .
ومن هنا تأتي أهمية أن تشمل المنح خمس كليات في الجامعة : الشريعة والدراسات الإسلامية، والآداب والعلوم الإنسانية، والاقتصاد والإدارة، والاتصال، والقرآن الكريم.
إنها رسالة واضحة بأن المعرفة لا لون واحد لها، وأن بناء الإنسان يحتاج إلى العقل والاقتصاد والثقافة والإعلام والقيم في آن واحد .
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تسأل الطالب ماذا يستطيع أن يدفع ، وإنما ماذا يستطيع أن يصبح .
وهذا هو الفارق بين من ينظر إلى التعليم باعتباره تكلفة ، ومن ينظر إليه باعتباره استثماراً في المستقبل .
470 منحة اليوم قد تعني غدا 470 عقلاً جديدا ، و470 قصة نجاح ، و470 إنسانا يمكن أن يعود إلى بلده حاملا معه علماً وخبرة وذكريات عن مكان آمن بالقدرة على صناعة المستقبل.
وربما يعود أحد هؤلاء الطلبة يوماً ليصبح أستاذاً، أو طبيباً، أو اقتصادياً، أو إعلامياً، أو باحثاً، أو قائداً في مجتمعه.
عندها لن يكون أثر المنحة قد انتهى بتخرجه.
بل سيكون قد بدأ.
وهنا تحديداً نفهم لماذا يكون أعظم ما يمكن أن يكسبه الإنسان هو المعرفة .
فالمال يمكن أن يُنفق، والمباني يمكن أن تتقادم، والنفوذ يمكن أن يتغير، لكن المعرفة التي تستقر في عقل إنسان يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل ، وأن تتحول إلى مشروع، وفكرة، واختراع، ومبادرة، ورسالة حياة .
لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الحاكم هو أن يفتح للإنسان طريقا نحو العلم.
وأجمل ما يمكن أن يتركه في ذاكرة الأجيال ليس فقط قصوراً أو طرقاً أو مباني، وإنما عقولاً ساهم في إنارتها.
هذه هي القوة الناعمة حين تكون في أجمل صورها.
وهذه هي الشارقة حين تجعل من الجامعة جسراً بين الإنسان والإنسان، وبين الثقافة والثقافة، وبين الشرق والعالم.
إن الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، من خلال دعمه المتواصل للجامعة القاسمية، لا يمنح الطلبة منحا دراسية فقط ، إنه يمنحهم شيئا أعمق : الثقة بأن العلم قادر على تغيير المصير .
وهذه ربما تكون أجمل هدية يمكن أن يقدمها حاكم لشباب العالم .
أن يقول لهم، بالفعل قبل القول : تعلّموا… فالعالم يحتاج إلى عقولكم.
اعرفوا… فالمستقبل لا يُبنى بالجهل.
واختلفوا في ثقافاتكم ولغاتكم، لكن اجتمعوا حول المعرفة والإنسان .
فحين ينتصر الحاكم للعلم، فإنه في الحقيقة ينتصر لأجمل ما في الإنسان .
ينتصر لعقله. وينتصر لحريته في أن يعرف. وينتصر لحقه في أن يحلم. وينتصر لمستقبل لا يُصنع إلا بالإنسان. وهذا هو الاستثمار الذي لا يخسر أبدا .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *