38°C تونس
28/09/2026
حين غنّت الأوبرا العربية… وسافرنا مع الأغنية إلى السودان.
ثقافة وفنون

حين غنّت الأوبرا العربية… وسافرنا مع الأغنية إلى السودان.

سبتمبر 28, 2026

تونس – عرب 21: حذامي محجوب.

في بعض السهرات لا يكون الغناء مجرد غناء، ولا تكون الموسيقى مجرد خلفية لصوت المطرب. هناك لحظات يتحول فيها المسرح إلى مساحة للسفر، وتصبح الأغنية جواز عبور من بلد إلى آخر، ومن ذاكرة عربية إلى أخرى.
في قاعة الأوبرا في تونس، كانت سهرة اختتام المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، في دورته السادسة والعشرين، واحدة من تلك اللحظات. ستة فنانين من ستة بلدان عربية: مصر، وفلسطين، والسودان، وسلطنة عُمان، والجزائر، والكويت، حمل كل منهم شيئا من موسيقى بلاده وذاكرتها إلى المسرح، في رحلة موسيقية عربية صاغتها رؤية فنية تونسية.

لم تكن الخريطة العربية معلّقة على جدار القاعة، بل كانت تُرسم على المسرح بالنغم.
خمسة عشر أغنية بدت كأنها فصول متتابعة من حكاية موسيقية واحدة. تتبدل الإيقاعات، وتتغير اللهجات، ويختلف الأداء، لكن شيئاً واحداً ظل يجمعها: ذلك الإحساس بأن الموسيقى العربية، رغم تنوعها الهائل، تستطيع أن تجد لنفسها لغة يفهمها القلب قبل الأذن.
وكان الموسيقار التونسي كريم الثليبي قد صمّم وألّف هذه اللوحة ضمن تصوّر العرض الموسيقي “سافر إليك وغنّ”، وهو عنوان يلخّص فلسفة السهرة كلها: أن نعبر من بلد عربي إلى آخر عبر الموسيقى، وأن نجعل من الغناء وسيلة لاكتشاف تنوعنا الثقافي والجمالي. وقد جاء العرض من إنتاج اتحاد إذاعات الدول العربية، وبقيادة الأوركسترا للمايسترو راسم دمّق.

تونس هنا لم تكن واحدة من البلدان الستة التي مثلتها الأصوات الغنائية، بل كانت حاضرة في صناعة العمل نفسه: في التأليف والتصميم الموسيقي والإنتاج والاحتضان، لتمنح هذه الرحلة العربية فضاءها ومسرحها.
لذلك جاءت الأغنيات وكأنها محطات في رحلة عربية واحدة، كان السودان إحدى أجمل محطاتها، بصوت مأمون سوار الدهب وأغنية “أخوي تومي”.

وحين جاء الدور على الفنان السوداني مأمون سوار الدهب، بدا المشهد أكثر من مجرد فقرة غنائية. كان السودان يدخل إلى القاعة بصوته ولهجته وذاكرته، وبالصورة التي أراد العمل الفني أن يقدمها عن الإنسان السوداني: الشهامة، والكرم، والنخوة، ودفء استقبال الضيف.

اختيار أغنية “أخوي تومي” لم يكن اعتباطياياًفي بناء هذه اللوحة. فالأغنية لا تقدم السودان بوصفه مكانا جغرافيا بعيدا،ولا بلدا مزقته الصراعات كما يقدم في النشرات الاخبارية ، وإنما تستدعي صورة الإنسان الذي يفتح بيته وقلبه للآخر، والذي لا يحتاج كرمه إلى شهادة من أحد.

وهنا تكمن قوة الاختيار الفني: أن تقدم بلدا من خلال قيمة إنسانية، لا من خلال بطاقة تعريف.

كان مأمون سوار الدهب واقفاً على المسرح، لكن صوته كان يحمل معه مساحة واسعة من السودان. ومع انطلاق الموسيقى، بدا المعنى حاضرا قبل أن تكتمل ترجمته إلى الكلمات.

كانت الأوركسترا شريكا حقيقيا في صناعة المشهد. لم تكن تكتفي بمرافقة الأصوات، بل كانت تبني فضاء الأغنية، وتمنحها اتساعها وعمقها، وتنتقل بها من حدود الأداء الفردي إلى حالة جماعية كاملة.

في تلك اللحظات، بدا المسرح أشبه بقطعة موسيقية واحدة، تتداخل فيها الأصوات والآلات والإيقاعات، ويصبح الجمهور جزءاً من التكوين لا مجرد متلقٍّ له.

التصفيق كان يأتي طبيعيا من كل العرب. وحين يصفق تونسي لصوت سوداني، فإن المسألة تتجاوز الإعجاب بمطرب أو أغنية. إنها لحظة اعتراف بالاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى مسافة.

وربما هنا تحديداً تكمن قيمة المهرجانات العربية التي تعرف كيف تجعل الفن مساحة للقاء.

أما الجدل الذي رافق اختيار الأغنية، فيبدو أقل أهمية من أثرها الفعلي على المسرح. فقد كانت هناك أغانٍ من أكثر من بلد ولهجة وإيقاع، ومع ذلك وجد كل صوت طريقه إلى الجمهور، وترك وراءه رغبة في العودة إليه واكتشافه من جديد.

وهذه إحدى أجمل وظائف الفن: أن يضيف إلى ذاكرتنا شيئاً لم نكن نعرف أننا نحتاج إليه.

ولم يكن اختيار “أخوي تومي” منفصلاً عن الرؤية الموسيقية للسهرة. فالموسيقار التونسي كريم الثليبي، الذي صمّم وألّف العمل، اختار أن يجعل التنوع العربي جزءاً من بنية العرض، وأن يمنح كل بلد لحظته الخاصة داخل المشهد العام.

كان السودان هذه المرة هو المفاجأة.

وكان مأمون هو الصوت الذي حمل هذه المفاجأة إلى المسرح.

ولعل أجمل ما في تلك اللحظة أن الفنان لا يحتاج دائماً إلى أن يشرح نفسه. أحياناً يكفي أن يغني.

مأمون سوار الدهب لم يدخل قاعة الأوبرا حاملاً أغنية سودانية فحسب، دخل حاملاً صورة عن وطنه، وعن الإنسان السوداني كما أرادت الأغنية أن تقدمه. وربما لهذا بدا التصفيق الذي جاءه بعد الأداء أكثر من تصفيق عابر لفنان أنهى وصلته.

كان تصفيقاً لصوت جديد وجد طريقه إلى جمهور عربي واسع.

في الفن، ليست كل الأصوات بحاجة إلى أن تكون مألوفة كي تُحب. بعض الأصوات تحتاج فقط إلى فرصة كي تُكتشف.

وسهرة الاختتام منحت مأمون تلك الفرصة.

بين تونس والسودان، وبين الأوركسترا والجمهور، كانت هناك حقيقة بسيطة: حين تغني الموسيقى جيداً، فإنها تجعلنا نصغي قبل أن تسألنا من أين جئنا.

وهكذا انتهت السهرة كما بدأت: بسفر عربي داخل الأغنية.

سافرنا من بلد إلى بلد، ومن إيقاع إلى إيقاع، ومن صوت إلى صوت، حتى وصلنا إلى السودان.

وكان أجمل ما في الرحلة أن أحداً لم يحتج إلى جواز سفر.

كان يكفي أن نسمع.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *