38°C تونس
14/08/2026
الرياض تمسك ببوصلة الأمن الجديد .. جدة ومكة ترسمان الطريق.
أراء وأفكار

الرياض تمسك ببوصلة الأمن الجديد .. جدة ومكة ترسمان الطريق.

أغسطس 14, 2026

بقلم أ.حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد الأمن في الخليج والشرق الأوسط ملفا عسكريا فقط ، و لا مسؤولية تُسلَّم بالكامل لقوة كبرى تأتي من خارج المنطقة كلما ارتفع منسوب التوتر .
فما يتبلور اليوم يبدو أعمق بكثير من ذلك : انها محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه ، وبناء منظومة إقليمية تمتلك فيها دول المنطقة أدوات حماية حدودها ومصالحها وشرايين اقتصادها ، من دون أن تتخلى عن شراكاتها الدولية .
من هذه الزاوية تكتسب اجتماعات جدة الأخيرة للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات ، بالتوازي قبلها مع اتفاقية مكة للدفاع المشترك ، دلالة تتجاوز حدود الاجتماعات والاتفاقيات .
فالقضية ليست مجرد تنسيق عسكري ، ولا مجرد ترتيبات لحماية الملاحة ، بل تبدو أقرب إلى ملامح هندسة متدرجة لأمن إقليمي جديد ، تقف المملكة العربية السعودية في قلبها .
هذه الهندسة الجديدة تتحرك على مسارين متكاملين .
المسار الأول برّي ، يرتبط بقدرة الدول على الردع والدفاع ، وتطوير التعاون العسكري ، وتبادل الخبرات ، وتعزيز الصناعات الدفاعية . أما المسار الثاني فهو بحري ، حيث بات من المستحيل فصل الأمن الوطني عن أمن الممرات البحرية التي تعبرها الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية .
هنا تتضح واحدة من أهم التحولات في مفهوم الأمن الإقليمي : حماية الدولة لم تعد تعني فقط حماية حدودها ومدنها فحسب ، بل كذلك حماية اقتصادها أيضا .
فتهديد سفينة ، أو تعطيل طريق بحري ، أو إغلاق مضيق استراتيجي ، قد تكون تداعياته الاقتصادية والسياسية أوسع بكثير من نتائج مواجهة عسكرية محدودة .
لذلك أصبحت حرية الملاحة جزءا من الأمن الوطني ، وأصبح أمن الاقتصاد وجها من وجوه الدفاع .
لكن التحول الأهم لا يكمن في الأدوات العسكرية وحدها ، بل في الفلسفة السياسية التي تقف خلفها .
فعلى مدى عقود ، اعتمد أمن المنطقة بدرجات متفاوتة على ترتيبات ترتبط بالقوى الكبرى خارجها .
أما اليوم ، فتبدو دول المنطقة أكثر ميلا إلى الانتقال من مفهوم ” الأمن الذي يوفره الآخرون ” إلى مفهوم ” الأمن الذي نبنيه نحن ” ، من دون أن يعني ذلك القطيعة مع الشركاء الدوليين .
وهنا تبرز خصوصية المقاربة السعودية . فالرياض لا تبدو بصدد بناء منظومة مغلقة أو جدار أمني معزول ، وإنما شبكة واسعة من القدرات والمصالح والتنسيق والشراكات ، تكون فيها العلاقات الدولية رافدا للقوة الإقليمية، لا بديلاً عنها .
وهذا فارق استراتيجي كبير : هناك فرق بين دولة تنتظر من يحميها ، ودولة تبني قدراتها كي تكون شريكا في صناعة أمنها .
كما أن اتساع دائرة المشاركة الدولية في التحالف البحري يحمل رسالة واضحة : أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية المحيطة بالمنطقة لم يعد شأنا محليا خالصا . فهذه الممرات ليست طرقا تخص دول المنطقة وحدها ، بل شرايين للاقتصاد العالمي .
ومن ثمة يمكن أن تتحول حمايتها إلى مساحة للتعاون الدولي ، تتقاطع فيها المصالح بدلا من أن تتحول الممرات الاستراتيجية إلى ساحات جديدة للصراع .
ومن هنا تبدو جدة ومكة ، في هذا السياق ، أكثر من محطتين في أجندة أمنية .
جدة تفتح الباب أمام بعد بحري جماعي يرتبط بحماية الملاحة والتجارة والطاقة ، فيما توسع مكة مفهوم الدفاع المشترك باتجاه بناء قدرة جماعية على الردع والحماية .
وبين المسارين تتشكل معادلة جديدة : قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على صد الهجوم، وإنما أيضا بقدرتها على ضمان استمرار اقتصادها وتنميتها في أوقات الأزمات .
لكن نجاح هذه الرؤية لن يُقاس بعدد الاتفاقيات أو البيانات الصادرة عن الاجتماعات . الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع : هل تتحول هذه الترتيبات إلى مؤسسات فاعلة ؟ وهل تنشأ آليات قرار واضحة وقدرات مشتركة وتنسيق سياسي قادر على تجاوز اختلاف المصالح ؟ وهل يمكن بناء الثقة الضرورية بين دول عاشت طويلا تحت وطأة الشكوك والحسابات المتعارضة ؟ .
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كنا أمام مبادرات أمنية متفرقة ، أم أمام بداية ولادة نظام إقليمي جديد.
ومع ذلك ، فإن الاتجاه العام يبدو واضحا : السعودية لم تعد تتعامل مع الأمن باعتباره مجرد رد فعل على الأزمات ، بل تحاول الانتقال إلى مرحلة صناعة البيئة الأمنية نفسها ، عبر بناء القدرات ، وتوسيع الشراكات ، وحماية الممرات البحرية ، وتطوير الصناعات الدفاعية، وربط الأمن بالاقتصاد والتنمية .
وهذا ربما هو المعنى الأعمق للتحول . فالسعودية لا تسعى فقط إلى أن تكون دولة آمنة داخل منطقة مضطربة ، وإنما إلى أن تصبح أحد صانعي التوازن الذي يجعل المنطقة نفسها أكثر أمنا واستقرارا .
في عالم تتغير فيه خرائط القوة وتتراجع فيه اليقينيات القديمة ، تبدو القاعدة الأكثر واقعية هي أن من لا يصنع أمنه ، سيترك للآخرين مهمة تحديد شروطه .
ومن جدة إلى مكة ، تبدو الرياض وكأنها ترسل رسالة استراتيجية واضحة : زمن انتظار المستقبل انتهى ، والمستقبل الأمني والاقتصادي للمنطقة يجب أن يُبنى من داخلها ، بأدواتها ، وبإرادة دولها ، وبشراكات دولية تقوم على المصالح المتبادلة لا على التبعية .
وهنا تحديدا تكمن رهانات الأمير محمد بن سلمان : ليس فقط في بناء قوة سعودية أكبر، وإنما في تحويل المملكة إلى مركز ثقل دولي قادر على إنتاج التوازن ، وصناعة الشراكات، وإعادة تعريف معنى الأمن في الشرق الأوسط .
إذا نجحت هذه الرؤية في الانتقال من الاتفاقات إلى المؤسسات ، ومن المبادرات إلى منظومة متماسكة ، فقد لا نكون أمام تحالفات جديدة فحسب ، بل أمام تحول أوسع : انتقال تدريجي من أمن تُرسم شروطه خارج المنطقة إلى أمن تشارك دول المنطقة نفسها في صناعته وتحديد مستقبله .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *