38°C تونس
27/09/2026
حين تتكلم الباندا… ماذا قالت قمة ترامب وشي ؟ .
الافتتاحية

حين تتكلم الباندا… ماذا قالت قمة ترامب وشي ؟ .

سبتمبر 27, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست كل الرسائل الدبلوماسية تُكتب بالحبر ، و لا تُقال كلها بالخطب و بالكلمات .
بعض هذه الرسائل يمرّ عبر مصافحة ، وبعضها يُصاغ حول مائدة عشاء ، وبعضها يصل في صندوق صغير ، لا يحمل صاروخًا ولا شريحة إلكترونية ، وإنما يحمل حيوانًا أبيض وأسود اسمه الباندا .
في لقاء دونالد ترامب وشي جين بينغ ، بدت الباندا ، في هدوئها اللافت ، وكأنها واحدة من أكثر الرسائل السياسية نعومة في واحدة من أكثر العلاقات الدولية خشونة .
فالولايات المتحدة والصين لا تجلسان إلى طاولة واحدة لأن خلافاتهما انتهت ، بل لأن هذه الخلافات أصبحت أكبر من أن تُترك بلا إدارة .
التجارة ، والرسوم الجمركية ، وأشباه الموصلات ، والذكاء الاصطناعي ، والمعادن الحيوية ، وتايوان ، والنفوذ العالمي … ملفات كثيرة تجعل العلاقة بين واشنطن وبكين واحدة من أكثر علاقات القوة تعقيدا في القرن الحادي والعشرين .
إنها علاقة لا تقوم على الود ، لكنها أيضا لا تحتمل القطيعة .
ولهذا جلس ترامب و شي .
ابتسامات أمام الكاميرات ، وحفاوة في الاستقبال ، ومائدة عشاء ، وكلمات محسوبة بدقة ، بينما كانت الحسابات الحقيقية تجري في مكان أعمق من لغة البروتوكول .
لكن اللافت لم يكن الرئيسان وحدهما، بل الأسماء التي أحاطت بهما : إيلون ماسك، سام ألتمان، جينسن هوانغ ، تيم كوك.
أسماء تبدو ، للوهلة الأولى ، بعيدة عن عالم الدبلوماسية التقليدية ، لكنها في الحقيقة تكشف طبيعة العالم الذي يجري التفاوض عليه .
فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود وحاملات الطائرات ، إنما أيضًا بعدد الرقائق التي تستطيع الدولة إنتاجها، وبحجم البيانات التي تملكها ، وبقدرتها على تطوير الذكاء الاصطناعي ، وصناعة الروبوتات ، والتحكم في سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية .
لقد انتقلت معركة النفوذ ، جزئيا ، من ساحات الحرب إلى مختبرات التكنولوجيا .
و من هنا كانت المائدة نفسها مشهدا بالغ الدلالة : رئيسان يتفاوضان على حاضر العالم ، وحولهما رجال أعمال وتقنيون يحاولون رسم ملامح مستقبله .
ثم ظهرت الباندا .
ذلك الحيوان الذي يبدو وكأنه لا يعرف شيئا عن صراعات البشر ، بينما تعرف الصين جيدا كيف تجعل منه سفيرا صامتا لها .
منذ عقود ، ارتبط هذا الحيوان بما عُرف ب ” دبلوماسية الباندا ” ، حيث تحولت هذه الحيوانات إلى أداة من أدوات القوة الناعمة الصينية ، وجسر رمزي بينها وبين شعوب ودول أخرى .
والباندا ليست سلاحا.
وهنا تحديدا تكمن قوتها .
لا تخيف أحدا، ولا تهدد أحدا، ولا تفرض شروطا .
إنها فقط تجعل الناس يبتسمون .
وتلك هي القوة الناعمة في أكثر صورها ذكاء : أن تصل إلى الوعي من الباب الذي قد تعجز السياسة الصلبة عن فتحه .
قد تفرض دولة رسوما جمركية ، وقد تمنع تصدير التكنولوجيا ، وقد تخوض معركة شرسة على النفوذ ، لكن صورة طفل يقف أمام باندا في حديقة حيوان يمكن أن تصنع ، في لحظة بسيطة ، علاقة وجدانية مختلفة مع البلد الذي جاءت منه .
ولهذا فإن إرسال زوج جديد من الباندا إلى أتلانتا لا يبدو مجرد تفصيل بروتوكولي .
إنه يحمل رسالة رمزية واضحة : نحن نختلف ، لكننا لم نقطع الخيط .
ليست مصالحة ، وليست نهاية للمنافسة ، وإنما إشارة إلى أن الخصومة بين قوتين بحجم الولايات المتحدة والصين تحتاج ، بين حين وآخر ، إلى مساحة من النعومة حتى لا تتحول المنافسة إلى قطيعة .
والأكثر رمزية أن شي غادر حاملا تمثال النسر الأصلع ، أحد أبرز رموز القوة الأمريكية ، بينما جاءت الهدية الصينية المقابلة في صورة الباندا .
نسر وباندا .
رمزان يختصران عالما كاملا .
النسر يحلق عاليا فوق صورة القوة الأمريكية ، والباندا تتحرك بهدوء داخل صورة الصين الناعمة .
و بينهما تقف علاقة لا تستقر على حال : تنافس حينا، ومساومة حينا ، وحاجة متبادلة دائما .
لقد تغيرت قواعد القوة ، لكن القوة نفسها لم تختفِ .
الدول الكبرى لم تعد تتنافس فقط بالصواريخ وحاملات الطائرات ، وإنما بالرقائق ، والبيانات ، والذكاء الاصطناعي ، والمعادن النادرة ، والجامعات ، ومراكز البحث ، والقدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها .
غير أن القوة ، مهما بلغت ، تحتاج إلى وجه .
والصين اختارت لقوتها الناعمة وجها لا يخيف أحدا .
و هنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في لقاء ترامب وشي : بينما كان أقوى رجال السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا يتحدثون عن التجارة والنفوذ والرقائق والذكاء الاصطناعي ، كانت الباندا تقول ، من دون كلمة واحدة ، شيئا أبسط وأعمق :
يمكن أن تكون خصما … من دون أن تصبح عدوا .
قد لا تستطيع الباندا أن تحل قضية تايوان ، ولا أن توقف التنافس التجاري ، ولا أن تحدد من سيقود ثورة الذكاء الاصطناعي .
لكنها تستطيع أن تترك نافذة صغيرة مفتوحة في جدار المنافسة .
و في السياسة الدولية ، عندما تصبح الجدران عالية إلى هذا الحد ، قد تكون النافذة الصغيرة إنجازا دبلوماسيا لا يُستهان به .
لذلك لم تكن الباندا هامشا في قصة لقاء ترامب وشي .
كانت ، بهدوئها الأبيض والأسود ، واحدة من أكثر رسائل القمة ذكاء ونعومة .
ففي عالم تتحدث فيه الدول الكبرى بلغة القوة ، قد تكون أحيانا أكثر الرسائل تأثيرا هي تلك التي لا تحتاج إلى لغة أصلا .
وحين تتكلم الباندا … يصغي العالم .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *