سبتة … الأزمة التي وضعت إسبانيا في مرمى اليمين الأوروبي .
– مدريد – عرب21:
لم تعد أزمة التدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين نحو مدينة سبتة مجرد حادثة حدودية أو تحدٍّ أمني تواجهه مدريد، بل تحولت إلى أزمة سياسية ودبلوماسية معقدة، كشفت هشاشة التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي ، وفتحت الباب واسعا أمام حملة سياسية استهدفت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز .
فقد امتزجت في هذه الأزمة رهانات الهجرة غير النظامية بالحسابات الجيو – سياسية، وتقاطعت فيها مصالح اليمين الأوروبي مع الخلافات المتصاعدة بين مدريد وعدد من العواصم الغربية .
في أعقاب وصول فجاة ما يقارب خمسين ألف مهاجر من المغرب إلى مدينة سبتة ، وجد سانشيز نفسه أمام واحدة من أخطر الأزمات التي يواجهها منذ توليه رئاسة الحكومة .
فسارع في 31 يوليو إلى زيارة المدينة ، واصفا ما حدث بأنه “ هجوم ” و” انتهاك للسلامة الإقليمية لإسبانيا ”، ومحمّلًا شبكات تهريب البشر مسؤولية نشر شائعات عن فتح الحدود، وهو ما أدى ، بحسب أقواله ، إلى هذا التدفق غير المسبوق .
في المقابل ، أعلنت السلطات الإسبانية إعادة أكثر من 48 ألف مهاجر ، إلى المغرب خلال ساعات قليلة ، فيما أسفرت الأحداث عن مصرع 34 شخصًا، لتتحول الأزمة إلى مأساة إنسانية إلى جانب أبعادها الأمنية والسياسية .
ولا تزال الأسباب الحقيقية التي دفعت المغرب إلى تخفيف إجراءاته الحدودية ، خلافًا لما اعتاد عليه خلال السنوات الماضية، محل تساؤلات، في ظل غياب تفسير رسمي واضح . غير أن هذا الغموض لم يمنع الأزمة من التحول سريعًا إلى مادة للصراع السياسي ، سواء داخل إسبانيا أو على الساحة الدولية ، حيث رأى كثيرون أن ما جرى تجاوز حدود أزمة الهجرة ليصبح ورقة ضغط سياسي على حكومة سانشيز .
وفي مدريد، يذهب عدد من الباحثين إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجد في هذه الأزمة فرصة لتصعيد هجومه على رئيس الوزراء الإسباني ، الذي برز خلال السنوات الأخيرة كأحد أكثر القادة الأوروبيين اختلافا مع بعض السياسات الأمريكية ، سواء برفضه زيادة الإنفاق العسكري وفق الرؤية الأمريكية داخل حلف شمال الأطلسي ، أو امتناعه عن فتح الأجواء الإسبانية أمام الطائرات الأمريكية خلال الحرب على إيران ، أو بمواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية .
دوفي هذا السياق، يرى الباحث في العلوم السياسية بجامعة ” كومبلوتنسي ” بمدريد، ” غييرمو فرنانديز فاسكيز ” ، أن ما يحدث يمثل “ عملية واسعة لزعزعة الاستقرار ”، معتبرًا أن الولايات المتحدة أصبحت طرفًا فاعلًا في الحملة السياسية ضد الحكومة الإسبانية .
ولم يتأخر ترامب في توجيه الاتهامات ، إذ كتب عبر منصة “إكس” أن إسبانيا بذلـت “ جهودًا متعمدة ” لتسهيل الهجرة غير النظامية، بعدما كان قد وصفها قبل أشهر بأنها “ شريك سيئ للغاية ”.
ولم تقتصر الضغوط على واشنطن، بل امتدت إلى إسرائيل، حيث خاطب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رئيس الوزراء الإسباني بنبرة ساخرة ، داعيًا إياه إلى استقبال جميع سكان غزة الراغبين في الهجرة .
كما سخر السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، من إعلان مدريد حالة الطوارئ في سبتة، معتبرًا أن إسبانيا ، التي اعتادت ـ بحسب تعبيره ـ توجيه الانتقادات لإسرائيل ، أصبحت تواجه اليوم تداعيات سياساتها في ملف الهجرة.
إلا أن الضربة السياسية الأشد جاءت من داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، بدعم من فنلندا والدنمارك، تعليق العمل مؤقتًا بقواعد شنغن بالنسبة للرحلات الجوية والبحرية مع إسبانيا، مبررة القرار بأنه إجراء استثنائي لحماية الأمن القومي .
وسرعان ما تدخلت المفوضية الأوروبية لتوضح أن تعليق العمل باتفاقية شنغن لا يتم إلا في حالات استثنائية تستند إلى وجود تهديد مباشر للأمن الداخلي، وبعد استكمال الإجراءات القانونية وإخطار مؤسسات الاتحاد الأوروبي .
و أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن سلامة فضاء شنغن ليست موضع تهديد ، موضحًا أن المهاجرين الذين دخلوا سبتة لا يستطيعون الوصول إلى باقي الأراضي الإسبانية أو الأوروبية دون المرور عبر نقاط المراقبة الأمنية .
أما سانشيز، فقد اختار الرد بالأرقام، مستشهدًا بإحصاءات وكالة “فرونتكس”، التي تشير إلى أن إيطاليا استقبلت بين عامي 2021 و2026 نحو 478 ألفًا و600 مهاجر، مقابل 340 ألفًا و600 مهاجر في منطقة البلقان الغربية، و234 ألفًا و760 مهاجرًا فقط في إسبانيا، داعيًا إلى عدم تحويل الأزمة إلى سبب لانقسام الاتحاد الأوروبي، والتعامل معها بروح التضامن والمسؤولية المشتركة .
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد ، إذ استدعت مدريد السفير الإيطالي احتجاجًا على تصريحات وزير الخارجية الإيطالي ” أنطونيو تاياني ” ، الذي اتهم حكومة سانشيز بمنح الجنسية الإسبانية، وبالتالي الأوروبية، لأكثر من نصف مليون مهاجر غير نظامي .
وردت الحكومة الإسبانية بنفي هذه الاتهامات ، مؤكدة أن الأمر يتعلق بتسوية أوضاع مهاجرين كانوا يقيمون بصورة فعلية داخل البلاد ، عبر منحهم تصاريح إقامة وعمل، وليس الجنسية الإسبانية .
و يرى عدد من الخبراء أن توصيف ما يجري باعتباره مجرد أزمة هجرة لا يعكس حقيقة المشهد .
فمدير مركز الدراسات العربية المعاصرة في مدريد، حيزم عميرة فرنانديز، يعتبر أن ما تشهده سبتة هو “ أزمة سياسية بامتياز ”، مذكرًا بأن إسبانيا لم تطالب سنة 2021 بتعليق عضوية بولندا في فضاء شنغن عندما استخدمت بيلاروسيا ورقة المهاجرين على الحدود البولندية في إطار صراعها مع الاتحاد الأوروبي .
ومن جانبه، يرى مدير مركز برشلونة للشؤون الدولية، ” بول مورياس ” ، أن جوهر الأزمة جيوسياسي أكثر منه أمني، معربًا عن استغرابه من اصطفاف فنلندا خلف الموقف الإيطالي ، في وقت تشارك فيه إسبانيا هذا العام في مهمة لحلف شمال الأطلسي على الحدود الروسية الفنلندية .
ويعتقد مورياس أن الأولوية بالنسبة لمدريد تكمن في الحفاظ على تماسك علاقاتها مع شركائها الأوروبيين ، خاصة بعدما أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ” تضامنه مع إسبانيا، في حين تبنت رئيسة المفوضية الأوروبية ” أورسولا فون دير لاين ” ، ومفوض الهجرة ” ماغنوس برونر ” ، خطابًا أكثر تشددًا ، واعتبرا أن ما حدث في سبتة “ غير مقبول ”.
ورغم حدة الأزمة ، لا يتوقع معظم المراقبين أن تؤدي إلى انقلاب في موازين القوى السياسية داخل إسبانيا قبل الانتخابات العامة المقبلة ، لكنها قد تمنح اليمين دفعة انتخابية إضافية، في وقت يبدو فيه سانشيز أكثر عزلة على الساحة الأوروبية.
ويرى أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة برشلونة المستقلة، ” ستيفن فورتي ” ، أن غالبية الإسبان لا تنساق وراء خطاب “صدام الحضارات” الذي يروج له اليمين المتطرف، غير أن استمرار الضغوط الخارجية وتصاعد الاستقطاب الداخلي قد يزيدان من تعقيد المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف أزمة سبتة، في نهاية المطاف ، أن الهجرة لم تعد مجرد ملف يتعلق بحماية الحدود أو إدارة تدفقات البشر ، بل أصبحت أداة في الصراع الجيوسياسي، وورقة للمساومة بين الدول، وسلاحًا سياسيًا يوظفه اليمين الأوروبي لإعادة رسم موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي.
أما حكومة ” بيدرو سانشيز ” ، فتجد نفسها اليوم في مواجهة ضغوط متزامنة من الداخل والخارج، في معركة تتجاوز حدود سبتة، وتمتد إلى مستقبل التوازنات السياسية في أوروبا بأسرها .

