محمد بن سلمان … حين تنتصر الحكمة على منطق الحرب .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في مجمل التاريخ السياسي للحضارات ، لا يُقاس القادة بعدد الحروب التي خاضوها او يخوضونها ، بل بعدد الحروب التي نجحوا في منعها و حالوا دون وقوعها .
ان القوة الحقيقية ليست في امتلاك الجيوش والأسلحة وحدها ، إنما في القدرة على توظيفها لحماية السلام ، وردع الفوضى ، وصناعة الاستقرار .
بين قادة يراهنون على التصعيد و قادة آخرين يؤمنون بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى الأمن ، يبرز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان بوصفه أحد أبرز صناع الدبلوماسية الجديدة في الشرق الأوسط ، القائمة على المبادرة ، والواقعية ، وإعلاء المصلحة الإقليمية العليا على منطق المواجهة .
عاش العالم خلال الأشهر الأخيرة على وقع واحدة من أخطر الأزمات الدولية ، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ، وانخراط إسرائيل في دائرة التصعيد ، حتى بدا الشرق الأوسط على شفا مواجهة قد تتجاوز حدود الإقليم ، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي ، وأمن الطاقة ، وحركة التجارة الدولية ، فضلا عن تهديد حياة ملايين المدنيين الذين يدفعون ، في كل حرب ، الثمن الأكبر دون أن يكونوا طرفا فيها .
في مثل هذه اللحظات الفاصلة ، تتراجع قيمة الخطابات المتشنجة أمام صوت الحكمة ، و يصبح نجاح الدبلوماسية أعظم من أي انتصار عسكري .
من هنا اكتسبت المواقف و التحركات السعودية أهمية استثنائية بالغة ، إذ اتجهت المملكة إلى الدفع بقوة نحو التهدئة ، و تغليب الحوار ، و فتح كل قنوات التواصل بين مختلف الأطراف ، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الحرب ، مهما كانت مبرراتها ، لا تنتج سوى مزيد من الأزمات ، بينما يمنح السلام الجميع فرصة لبناء مستقبل أكثر استقرارا .
لم يكن هذا الموقف وليد ظرف ، بل يعكس تحولا عميقا في فلسفة السياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الأخيرة . فقد انتقلت المملكة من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة المساهمة في حلها ، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات ، لتصبح رقما صعبا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي ، وشريكا مهما يحظى بثقة القوى الكبرى لما تتمتع به من مصداقية واتزان وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف .
تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان ، اتسعت شبكة العلاقات السعودية شرقا وغربا ، وتعززت مكانة المملكة كقوة توازن إقليمي ، تحافظ على تحالفاتها التقليدية ، وتنفتح في الوقت ذاته على شركاء دوليين جدد ، دون أن تفرط في ثوابتها أو مصالحها الوطنية .
وهو ما منح الرياض قدرة كبيرة و استثنائية على لعب أدوار الوساطة وتقريب وجهات النظر في أكثر الملفات تعقيدا .
لقد أثبتت التجارب أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل حربا جديدة .
فالحروب تبدأ دائما بشعارات النصر ، لكنها تنتهي بمدن مدمرة ، واقتصادات منهكة ، وأجيال تحمل آثارها لعقود طويلة .
أما السلام ، فرغم صعوبة تحقيقه ، يبقى أقل كلفة بما لا يقاس ، وأكثر قدرة على حماية الشعوب وصون مصالح الدول .
ولهذا فإن كل جهد يُبذل لإطفاء بؤر التوتر ، وكل مبادرة تمنح الدبلوماسية فرصة قبل أن تتكلم البنادق ، تمثل استثمارا في أمن المنطقة والعالم .
ولا شك أن نجاح أي وساطة لا يتوقف على الوسيط وحده ، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة من جميع الأطراف ، واستعداد لتقديم تنازلات متبادلة ، وإيمان بأن الأمن لا يمكن أن يكون أحادي الجانب ، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة ، بل يُبنى على التفاهم والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة .
من هذا المنطلق ، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم دولة تمتلك كل عناصر القوة ، لكنها لا تجعل منها وسيلة لفرض الحروب و امر واقع ، بل ركيزة لحماية السلام و مزيد الدفع به .
فالمملكة تملك جيشا حديثا متطورا ، و لها قدرات دفاعية لا يستهان بها ، وإمكانات اقتصادية وسياسية ضخمة ، لكنها تدرك أن أعظم انتصار ليس في خوض المعارك ، إنما في الحيلولة دون اندلاعها ، وأن قوة الدولة تتجلى في مدى قدرتها على حماية أمنها وأمن محيطها في آن واحد .
لذلك فإن تحركات الأمير محمد بن سلمان خلال مختلف الأزمات الإقليمية الأخيرة تعكس حكمة و رؤية استراتيجية ترى أن أمن المملكة لا ينفصل عن أمن جوارها العربي والإقليمي ، وأن ازدهار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل دوامة مستمرة من الصراعات ، بل يحتاج إلى بيئة مستقرة ، تقوم على التعاون ، والتنمية ، والشراكات الاقتصادية ، واحترام سيادة الدول .
لعل التاريخ لا يخلّد أولئك الذين أشعلوا الحروب ، بقدر ما يخلّد القادة الذين امتلكوا الشجاعة لإخمادها .
فحقن الدماء ، ومنع اتساع رقعة الصراع ، وفتح أبواب الحوار في أكثر اللحظات تعقيدا ، هي الإنجازات التي تبقى راسخة في ذاكرة الشعوب .
وإذا كانت القوة تصنع الردع ، فإن الحكمة تصنع المجد ، وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود ، فإن القادة الذين يمنعون الحروب هم الذين يصنعون المستقبل .
من هذه الزاوية ، يرسخ الأمير محمد بن سلمان صورة رجل الدولة الذي يدرك أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق فوق أنقاض المدن ، بل تلك التي تُنجز على موائد الحوار ، حيث ينتصر العقل على الانفعال ، وتعلو لغة السياسة على صوت السلاح ، ويُصان الإنسان ، وتُحقن الدماء ، وتُمنح الأوطان فرصة جديدة للحياة .
