38°C تونس
23/10/2026
ترامب وبوتين … مصافحة فوق بركان المصالح وتقلبات الصفقات .
أراء وأفكار

ترامب وبوتين … مصافحة فوق بركان المصالح وتقلبات الصفقات .

أكتوبر 22, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تكن العلاقة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين يومًا حكاية صداقة مستقرة ، ولا مواجهة مفتوحة لا رجعة فيها ، بل ظلت أقرب إلى رقصة سياسية فوق أرض متحركة ، تتقدم فيها المصافحات حين تلتقي المصالح ، وتتصاعد فيها التهديدات عندما تتباعد الحسابات .
وبين الإعجاب الشخصي والتصعيد الدبلوماسي ، تبدو العلاقة بين الرجلين محكومة بقاعدة واحدة : لا مكان للعواطف حين تصبح المصالح الاستراتيجية على المحك .
منذ ما قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، أبدى الرئيس الأمريكي إعجابًا لافتًا بنظيره الروسي ، وأبدى ثقته بقدرته على بناء علاقة جيدة معه .
لكن هذا الانفتاح لم يبق في حدود المجاملات ، بل أثار جدلًا واسعًا حول طبيعة نظرته إلى موسكو وموقع روسيا في الحسابات الأمريكية .
وكانت قمة هلسنكي عام 2018 إحدى أبرز المحطات التي كشفت هذا الالتباس ، حين بدا ترامب مترددًا في تبني تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات ، في موقف أثار انتقادات داخل الولايات المتحدة وأعاد طرح سؤال الثقة بين الرئيس ومؤسسات بلاده .
وفي فبراير 2022 ، وقبيل الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا ، وصف ترامب اعتراف بوتين بما سماه استقلال دونيتسك ولوغانسك بأنه تصرف ” عبقري ” و ” بالغ المهارة ” . وقد عكست تلك التصريحات ميله إلى قراءة التحركات الروسية من زاوية المناورة السياسية والقدرة على فرض الوقائع ، حتى عندما كانت تلك التحركات تنذر بمواجهة عسكرية تهدد أمن أوروبا وتضع النظام الدولي أمام اختبار خطير .
لكن السياسة لا تبقى أسيرة الانطباعات الشخصية ، وهو ما ظهر بوضوح بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 .
فقد جعل إنهاء الحرب الأوكرانية أحد العناوين البارزة في خطابه ، وسعى إلى فتح قناة تفاوض مباشرة مع بوتين ، راهنًا على أن قدرته على عقد الصفقات يمكن أن تحقق ما عجزت عنه الضغوط الدبلوماسية والعسكرية. غير أن الطريق إلى التسوية لم يكن بالسهولة التي أوحت بها الوعود ، إذ اصطدمت الطموحات الأمريكية بحسابات موسكو الميدانية والاستراتيجية ، واستمر التباعد بشأن الشروط التي يمكن أن تنهي الحرب .
ومع تعثر المساعي ، انتقلت لغة ترامب من الإشادة إلى الغضب والانتقاد ، وارتفعت حدة تهديداته لموسكو ، بالتوازي مع الحديث عن تشديد الضغط الاقتصادي ودعم أوكرانيا بأسلحة دفاعية ، بينها منظومات ” باتريوت ” . لكن التصعيد لم يتحول إلى قطيعة نهائية، كما لم يصبح التفاوض دليلًا على توافق استراتيجي. فترامب يريد اتفاقا يستطيع تقديمه باعتباره انتصارًا دبلوماسيا، بينما يسعى بوتين إلى تسوية لا تبدد المكاسب التي حققتها روسيا، ولا تعيدها إلى موقع التراجع أمام الغرب .
وجاءت قمة ألاسكا في أغسطس 2025 لتجسد هذا التناقض بأوضح صوره .
فقد استقبل ترامب الرئيس الروسي في مشهد اتسم بالدفء والمصافحات ، وأعاد بوتين إلى واجهة الدبلوماسية الأمريكية بعد سنوات من العزلة والضغوط الغربية. ومع ذلك ، لم تسفر القمة عن وقف حاسم لإطلاق النار أو تسوية تنهي الحرب .
وهكذا بدت الصورة أكثر نجاحًا من النتائج، وكأن اللقاء منح الطرفين فرصة لإظهار الاستعداد للحوار ، من دون أن يزيل الخلافات الجوهرية التي تفصل بينهما .
وفي ملف الطاقة ، تتجلى بدورها صعوبة الفصل بين الخطاب السياسي وحسابات المصالح .
فالعقوبات الأمريكية على قطاع النفط الروسي تستهدف تقليص الموارد التي تمول الحرب ، لكن استثناءات بعض الدول من القيود ، وما تفرضه احتياجات الأسواق والتحالفات ، تكشف أن سياسة الضغط لا تتحرك في فراغ. فالطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل ورقة نفوذ جيوسياسي تتشابك فيها مصالح الدول ، وأمن الإمدادات، وكلفة المواجهة على الاقتصادات الغربية نفسها .
أما أوكرانيا، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة المعقدة ، بين حاجتها إلى الدعم الأمريكي وتمسكها بشروط تضمن أمنها وسيادتها، وبين رغبة ترامب في الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب ويمنحه مكسبًا سياسيًا واضحًا. وتثير الضغوط التي يمارسها على الرئيس فولوديمير زيلينسكي تساؤلات بشأن حدود التنازلات التي قد تُطلب من كييف، وما إذا كانت التسوية المحتملة ستؤسس لسلام مستدام، أم ستكرس واقعًا ميدانيًا يترك أسباب الصراع قائمة ويؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة.
إن جوهر العلاقة بين ترامب وبوتين لا يكمن في حرارة المصافحات ولا في قسوة التصريحات ، بل في المسافة الفاصلة بين ما يعلنه الرجلان وما يستطيع كل منهما انتزاعه على طاولة التفاوض . فترامب يتعامل مع السياسة بمنطق الصفقات القابلة للتسويق بوصفها إنجازات ، ويبحث عن نتائج سريعة تعزز صورته قائدًا قادرًا على إنهاء الحروب .
أما بوتين ، فيتعامل مع التفاوض باعتباره امتدادًا للصراع بوسائل أخرى ، ويسعى إلى استثمار أي انفتاح أمريكي لتخفيف الضغوط ، وتوسيع هامش المناورة ، وتثبيت موقع روسيا قوةً لا يمكن تجاوزها في الترتيبات الدولية .
ومن هنا، لا ينبغي الخلط بين الحوار والتوافق ، ولا بين الانفتاح والتنازل .
فقد يتفاوض الخصمان من دون أن يثق أحدهما بالآخر ، وقد يتبادلان الإشارات الإيجابية فيما تستمر المواجهة على الأرض .
بل إن العلاقة بينهما قد تكون أكثر تعقيدا من ثنائية الصداقة والعداء،إذ يمكن أن يتعاونا في ملف ، ويتصادما في آخر ، ويتبادلا التهديدات اليوم ليعودا إلى طاولة المفاوضات غدًا، متى فرضت المصالح ذلك .
و مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر 2026، تكتسب الحسابات الداخلية أهمية إضافية في تحديد هامش حركة ترامب .
فالحرب الأوكرانية ، وأسعار الطاقة ، وكلفة الالتزامات الخارجية ، كلها ملفات قد تنعكس على تقييم الناخب الأمريكي لأداء إدارته . وفي المقابل، يدرك بوتين أن الوقت والوقائع الميدانية والضغوط الاقتصادية عناصر مؤثرة في أي مفاوضات ، وأن الرهان على انقسام المواقف الغربية قد يمنحه أوراقًا إضافية .
في نهاية المطاف ، لا يبدو السؤال الحاسم هو ما إذا كان ترامب صديقًا لبوتين أم خصمًا له، بل من يستطيع توظيف هذه العلاقة لتحقيق أهدافه، ومن سيدفع ثمن التسوية إذا تحولت الوعود إلى اتفاق .
فالمصافحات لا تصنع السلام وحدها ، والصفقات لا تضمن الاستقرار ما لم تعالج جذور النزاع وتحفظ المصالح الأمنية المشروعة.
بين ترامب الذي يريد أن يثبت أن الصفقات قادرة على إنهاء الحروب ، وبوتين الذي يسعى إلى تحويل مكاسب الميدان إلى مكاسب سياسية ، تبقى العلاقة مفتوحة على احتمالات متناقضة .
قد تقود إلى تفاهم يخفف التصعيد ، وقد تنتهي إلى جولة جديدة من الضغط والمساومة .
أما الثابت الوحيد ، فهو أن المصالح هي البوصلة ، وأن الود السياسي ، مهما بدا دافئًا أمام الكاميرات ، يظل قابلًا للتبدل عندما تتغير حسابات القوة .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *