فضل شاكر في الرياض … حين يستيقظ الحنين ويعود ملك الإحساس.
الرياض – عرب 21 : بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ).
ليست كلّ عودة مجرّد ظهور بعد غياب ، فبعض العائدين يحملون معهم أعمارًا من الشوق ، وذاكرةً من الأغنيات ، وقلوبًا ظلّت تنتظر.
ليلة امس ، استقبلت الرياض فضل شاكر، ملك الإحساس وصاحب الصوت الذي لم تغب أغنياته عن الوجدان ، في موعد عنوانه ” عودة الغائب ” ، ضمن موسم الرياض ، حيث لا يبدو اللقاء مجرّد حفل فني ، بل لحظة استثنائية يتعانق فيها الحنين مع الفرح ، وتلتقي فيها سنوات الغياب بوفاء جمهور لم ينسَ .
يعود فضل شاكر إلى المسرح ، لكنّ صوته لم يكن غائبًا يومًا عن حياة محبّيه .
ظلّ حاضرًا في رسائل العشّاق، وفي حكايات الفراق، وفي لحظات الحبّ التي تعجز الكلمات العادية عن احتضانها.
كان صوته رفيقًا لقلوبٍ أحبّت ، وبلسمًا لأخرى انكسرت ، ونافذةً يطلّ منها الحنين كلّما أعادت الذاكرة أغنيةً ارتبطت بوجهٍ أو موعدٍ أو حكاية لم تكتمل .
ولعلّ سرّ فضل شاكر لا يكمن في جمال صوته وحده ، بل في تلك القدرة النادرة على تحويل الأغنية إلى إحساسٍ شخصي، كأنّها كُتبت لكلّ مستمع على حدة .
حين يغنّي، لا تشعر بأنّك أمام فنان يؤدّي كلماتٍ وألحانًا ، بل أمام صوتٍ يقرأ ما تخفيه القلوب ، وينطق بما تعجز عنه الشفاه.
لذلك لم يكن لقب ” ملك الإحساس ” مجرّد عبارة أطلقها الجمهور ، بل حكاية طويلة من الصدق الفني ، صنعتها أغنيات عبرت الزمن وظلّت تحتفظ بحرارتها الأولى.
هناك فنانون تلمع أسماؤهم في مواسم النجاح ، وهناك فنانون يتركون في حياة الناس أثرًا لا تمحوه السنوات .
وفضل شاكر ينتمي إلى الفئة التي تتجاوز علاقتها بجمهورها حدود الشهرة ، لأنّ أغنياته لم تكن يومًا أصواتًا عابرة ، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة شخصية وجماعية ، تحمل بين نغماتها شيئا من الحبّ الأول، ومرارة الفراق، ولهفة اللقاء، وأحلامٍ لم تستسلم للنسيان .
وفي الرياض ، تكتسب هذه العودة معناها العاطفي الأعمق .
فالجمهور الذي ينتظر ليس ذاهبًا للاستماع إلى أغنيات يعرفها فحسب ، بل لاستعادة شيء من نفسه ، وللقاء صوتٍ رافقه في محطات العمر ، وربما قال عنه يومًا ما لم يستطع قوله لأحد. وحين ترتفع أولى النغمات، لن يكون التصفيق مجرّد ترحيب بفنان على خشبة المسرح، بل تحية لسنوات من الوفاء، ورسالة حبّ يوجّهها جمهور إلى صوت ظلّ يسكن ذاكرته رغم الغياب.
إنّ للأغنيات الصادقة عمرًا أطول من لحظتها ، وللأصوات التي تلامس الروح قدرةً على مقاومة النسيان .
قد يبتعد الفنان عن الأضواء، وقد تفصل بينه وبين جمهوره سنواتٌ من الصمت ، لكنّ الأغنية التي استقرت في القلب لا تحتاج إلى موعد كي تعود ، يكفي أن تمرّ نغمتها الأولى حتى تستيقظ الحكاية كاملة، بكلّ ما فيها من وجوهٍ ودموعٍ وأحلام .
ليلة امس ، لم تستعد الرياض صوت فضل شاكر وحده ، بل استعدت معه زمنًا من الأغنيات التي جعلت للحبّ لغةً أخرى، وللشجن نبرةً لا تشبه سواها .
وفي هذا اللقاء، يصبح المسرح مساحةً للمصالحة مع الذاكرة ، وتغدو الموسيقى جسرًا يصل ما انقطع من الأيام، ويذكّرنا بأنّ بعض الأصوات لا تقيس حضورها بعدد الحفلات، بل بمقدار ما تتركه في القلوب.
أهلًا بعودة الغائب إلى الرياض … أهلًا بصوتٍ لم يغب عن الوجدان ، وبأغنياتٍ لم يغلق الحنين أبوابها يومًا.
ليلة امس ، عاد فضل شاكر إلى جمهوره، و عاد معه ذلك الإحساس الذي لا يُشترى ولا يُصطنع؛ إحساسٌ يجعل الأغنية ذكرى، والصوت حكاية، واللقاء فرحًا مؤجّلًا طال انتظاره.
فحين يعود ملك الإحساس، لا يعود وحده … بل تعود معه قلوبٌ كثيرة إلى أجمل ما فيها .
