بقلم أبوبكر الصغير.
كثير هم ، مثقفون تونسيون يجهلون عظمة قائد عربي ، اعطى للثقافة كما لم يعطها احد من قبله .
انه سلطان الشارقة في دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة .
انه سلطان يمضي في الزمن كما يمضي الضوء في العتمة ، لا يبدّدها فقط ، بل يعلّمها معنى أن تكون نورا تضيء كلّ من حولها .
لم يكن التكريم الذي حظي به صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في البرتغال مجرّد احتفاء بشخصية عربية مسلمة استثنائية ، بل كان اعترافا دوليا بأن ثمة مشروعا حضاريا نادرا شقّ طريقه من الشارقة نحو العالم ، مشروعٌ لم ينطلق من حسابات السياسة ، بل من أخلاق المعرفة.
صاحب السموّ لم يتعامل مع الزمن بوصفه عدّادا تنازليا للإنجازات ، بل اعتبره فضاء أخلاقيا للفعل .
في فلسفة سموه ، الزمن ليس ما يمرّ بنا، بل ما نُضيفه إليه .
ومن هذا الوعي، تشكّلت علاقة مختلفة بين الحاكم والثقافة : فالثقافة لم تكن زينة للسلطة ، بل شرطا لشرعيتها.
واللغة لم تكن وسيلة خطاب ، بل وعاء هوية وحضارة .
أما التاريخ، فلم يكن سردا مكتملا، بل مسؤولية مستمرة تستدعي الدقة ، والإنصاف ، والقدرة على الإصغاء لما أخفته مختلف الأزمنة .
في زمنٍ تتسارع فيه اللحظة حتى تكاد تبتلع المعنى ، اختار سلطان الشارقة طريقا مضادا : إعادة وصل الزمن بالمعرفة.
أسّس مشروعا ثقافيا متكاملا يضمّ الكتاب والمدرسة والجامعة والمسرح والمتحف والفنون والعلوم ، لا بوصفها مؤسسات تُحصى ، بل بوصفها مساحات تفكير وبناء إنسان .
في الشارقة، لم تُنشأ مشاهد لتُرى ، بل بُني نظام معنى يرى في العلم فعلا يوميا ، وفي الثقافة ممارسة ، وفي الحوار الحضاري ضرورة هادئة وعميقة .
كتب سموّه التاريخ لا ليُخاصم الحاضر، ولا ليُعيد تشكيله حسب الهوى ، بل ليأخذ منه الحقيقة كما هي ، ويُدوّنها بصدق العارف ومسؤولية المؤرخ .
ولأن الحقيقة، حين تُكتب بضمير، تتحوّل إلى جسرٍ بين الشعوب ، فتح سموّه باب حوارٍ إنسانيّ عادل ، يقوم على المعرفة لا الادّعاء ، وعلى الإنصاف لا الغلبة .
ولذلك بدا تكريمه في البرتغال تكريما لنموذج فكري قبل أن يكون تكريما لشخص.
لقد احتفت البرتغال بسلطانٍ جعل من الثقافة لغةً كونية ، وجعل من التاريخ مساحة عدل ، وجعل من الزمن مجالا يليق بالإنسان حين يختار أن يكون صانعا للمعنى لا مجرّد عابر فيه .
وبين الشارقة ولشبونة ، كان الحضور واحدا : ثقافةٌ تمشي بثقة، وتاريخ يُكتب بالعدل ، وزمنٌ يزداد اتساعا كلّما أضيف إليه نورُ المعرفة.
هكذا، لا تبدو إنجازات سلطان الشارقة مجرّد محطات في سجلّ حاكمٍ محب للثقافة ، بل ملامح لعصرٍ يُعاد تشكيله بمعرفة صافية ، وعدالة تاريخية ، وإيمانٍ راسخ بأن الإنسان هو أثمن ما يُبنى .
إنّه لا يترك أثراً في المكان فحسب ، بل يترك معنى في الزمن ، معنى يقول إن الحضارة تبدأ من كلمة صادقة ، وتنمو بفعلٍ عادل ، وتبلغ عظمتها حين يجد الإنسان نفسه أكثر نورا ، وأكثر اتساعا، لأن قائدا آمن به وبقدرة المعرفة على أن تهب العالم وجهاً أرقى وأبهى .



