بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في اليمن، لا يمكن قراءة التحولات الميدانية بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع .
فما جرى مع عيدروس الزبيدي لا يختزل في خلاف داخلي أو أفول نجم زعيم انفصالي ، بل يمثل لحظة مفصلية أعادت فيها السعودية تثبيت خطوطها الحمراء ، واستعادت زمام المبادرة في ساحة ظنّ كثيرون أنها باتت خارج سيطرتها.
الزبيدي، الذي نجح في ديسمبر 2025 في توحيد محافظات اليمن الجنوبي السابق تحت سلطته ، بدا وكأنه يقترب من إحياء دولة الجنوب التي وُلدت في زمن الحرب الباردة وانتهت رسميًا عام 1990.
بدعم خارجي عسكري وسياسي، تمدّد بسرعة نحو الشرق ، وسيطر على محافظات شاسعة غنية بالنفط ، واضعا يده على مئات الكيلومترات من الحدود السعودية.
عند تلك النقطة، لم يعد المشروع الانفصالي مجرد ورقة تفاوض ، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للأمن القومي للمملكة.
جاء الرد السعودي حاسما ومشحونا بالرسائل .
قصف شحنة أسلحة إماراتية في المكلا لم يكن عملية عسكرية معزولة ، بل إعلانا صريحا بانتهاء هامش المناورة . وخلال أيام قليلة ، استعادت قوات موالية للرياض المحافظات الشرقية دون معارك تُذكر ، في مشهد كشف اختلال ميزان القوى أكثر مما عكس رغبة في التصعيد .
أعقب ذلك استدعاء قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض ، في خطوة بدت أقرب إلى الاحتواء القسري منها إلى حوار سياسي متكافئ .
الزبيدي اختار الفرار بدل الامتثال . تعددت الروايات حول وجهته ، لكن الثابت أن عدن ، المدينة التي حكمها لسنوات ، خرجت سريعًا من قبضته . مقرات المجلس الانتقالي نُهبت، مخازن السلاح أُفرغت ، وشبح الانفجار الداخلي عاد ليخيّم على المدينة.
ان انهياره السريع فضح هشاشة مشروع سياسي بُني على السلاح والتحالفات الخارجية أكثر مما بُني على شرعية داخلية ومؤسسات فاعلة.
قضية الزبيدي أعادت طرح السؤال الجوهري في اليمن : من يملك القرار الفعلي ؟ الدولة التي صنعت الرجل وسلّحته وفتحت له أبواب التمدد ، بدت عاجزة عن حمايته عندما اصطدم مباشرة بالإرادة السعودية. أما التحالف الذي طالما قُدّم كجبهة موحدة ضد الحوثيين، فقد ظهر على حقيقته : شبكة نفوذ متنافسة ، تتسامح في الهامش، لكنها لا تقبل بأي تجاوز عندما يتعلق الأمر بالحدود أو بالأمن الاستراتيجي للمملكة.
مسيرة الزبيدي نفسها تختصر هذا التناقض . من ضابط جنوبي متمرّد ، إلى حليف ظرفي لحزب الله ، ثم شريك للإمارات في الحرب ضد الحوثيين ، وصولا إلى زعيم انفصالي يعد بدولة قانون وينتهي بإدارة فوضوية لعدن .
ظل أسير منطق القوة لا منطق الدولة. وعوده بالإصلاح ومكافحة الفساد انتهت إلى استبدال نخبة بأخرى ، ومدينة تحكمها الميليشيات وتنهكها الاغتيالات.
اليوم، تدخل عدن مرحلة جديدة تحت إشراف سعودي مباشر. انتشار قوات موالية للرياض، فرض حظر التجول، والبدء في تفكيك بنية المجلس الانتقالي، كلها مؤشرات على إعادة هندسة الجنوب سياسيًا وأمنيًا.
هدف السعودية لا يقتصر على إسقاط الزبيدي ، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي بما ينسجم مع أولوياتها ويمنع ظهور قوى منفلتة على حدودها.
ما جرى يحمل رسالة إقليمية لا لبس فيها : لا مشاريع انفصالية في اليمن من دون ضوء أخضر سعودي، ولا نفوذ مفتوح لأي حليف حين يلامس أمن المملكة. أما الجنوب اليمني، فيظل مرة أخرى ساحة لتقاطعات المصالح الكبرى، حيث تُعاد رسم الخرائط ، بينما يدفع المجتمع المنهك ثمن صراع لا تبدو نهايته قريبة.

