38°C تونس
24/10/2026
السعودية واليمن … معركة استعادة الدولة وكسر مشروع الفوضى .
أراء وأفكار

السعودية واليمن … معركة استعادة الدولة وكسر مشروع الفوضى .

أكتوبر 24, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من قدرات عسكرية واقتصادية فحسب ، بل تُقاس أيضا بقدرتها على حماية أمنها ، وبحجم المسؤولية التي تتحملها في محيطها الإقليمي والدولي . ومن هذا المنطلق ، فإن المساندة العربية والإسلامية والدولية للمملكة العربية السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية ليست مجرد تعبير عن التضامن مع دولة تتعرض للتهديد ، بل هي تأكيد على حقيقة استراتيجية مفادها أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها ، وأن المساس بها يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال توازنات الطاقة والاقتصاد والأمن الدوليين .
لكن القضية الأعمق لا تتوقف عند حماية المملكة من الاعتداءات ، بل تمتد إلى مستقبل اليمن نفسه ، ذلك البلد الذي أنهكته الحرب ، واستنزفت الصراعات موارده ، وأضعفت مؤسساته ، وأثقلت شعبه بأعباء إنسانية واقتصادية لا تُحتمل .
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن وقف الاعتداءات الحوثية ، بل كيف يمكن إنقاذ اليمن من أن يظل رهينة مشروع مسلح يصادر قراره الوطني ، ويضع مقدراته في خدمة حسابات تتجاوز مصالح شعبه وحدوده .
لقد كشفت التجربة اليمنية أن الميليشيات ، مهما امتلكت من سلاح وقدرة على فرض الأمر الواقع ، لا تستطيع أن تكون بديلا عن الدولة ، ولا أن تؤسس لاستقرار دائم. فالدولة تُبنى بالمؤسسات ، وتستمد شرعيتها من حماية المواطنين وصون السيادة وتوفير مقومات الحياة الكريمة ، أما الجماعات المسلحة فتجعل من القوة وسيلة لفرض الإرادة ، ومن استمرار الأزمات شرطا لبقاء نفوذها .
وحين يرتبط هذا المسار بدعم خارجي ، كما هي الحال مع الدعم الإيراني للحوثيين ، يصبح الوطن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ، ويجد المواطن نفسه يدفع ثمن صراع لم يختره .
إن المأساة الحقيقية أن اليمن ، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وثروات بشرية وإمكانات اقتصادية ، كان قادرا على أن يكون جسرا للتجارة والتعاون والتنمية ، فإذا به يتحول ، بفعل الحرب والانقسام ، إلى ساحة مفتوحة للمواجهات والتهديدات .
وبدلا من أن تتجه موارده نحو بناء المدارس والمستشفيات ، وإصلاح البنية التحتية ، وخلق فرص العمل ، استُنزفت في صراع طال أمده ، فيما تتسع معاناة ملايين اليمنيين وتتراجع فرصهم في حياة آمنة ومستقرة .
وفي هذه المعادلة ، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للمملكة العربية السعودية ، التي يرتبط أمنها بأمن اليمن ارتباطا وثيقا ، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
فاستقرار اليمن ليس مصلحة سعودية فحسب، بل ضرورة إقليمية، كما أن حماية المملكة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والاعتداءات العابرة للحدود حق سيادي أصيل لا يجوز التشكيك فيه أو التقليل من أهميته. ولا يمكن بناء سلام مستدام في المنطقة بينما تظل أراضي الدول ومواطنيها عرضة لتهديدات جماعات مسلحة تتحرك خارج منطق الدولة ومسؤولياتها.
ومن الخطأ تصوير الموقف السعودي وكأنه صراع حدودي محدود، أو اختزال القضية في مواجهة عسكرية بين طرفين .
فجوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير : إنها معركة من أجل استعادة مفهوم الدولة، وتحرير القرار الوطني اليمني من هيمنة السلاح، وإنهاء تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لتهديد الجوار .
ولذلك، فإن مساندة المملكة في حماية أمنها لا تتعارض مع الدفاع عن الشعب اليمني، بل تلتقي مع مصلحته الأساسية في الخروج من دوامة الحرب واستعادة حقه في دولة مستقلة القرار، قادرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها وبناء مستقبلها.
ولا يعني ذلك أن استعادة الدولة يمكن أن تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، أو أن الطريق إلى السلام سيكون سهلا. فاليمن يحتاج إلى مسار سياسي جاد، وإلى مؤسسات وطنية جامعة، وإلى إرادة حقيقية تضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الفئوية والإقليمية. لكنه يحتاج، قبل كل شيء، إلى إنهاء منطق الميليشيات الذي جعل السلاح مرجعية أعلى من القانون، وأبقى مستقبل البلاد رهينة لموازين القوة ومصالح القوى المتدخلة.
إن التحدي الأكبر أمام اليمنيين اليوم هو التمييز بين مشروع يريد بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، ومشروع لا يستطيع الاستمرار إلا بإدامة الانقسام والتوتر .
فالأوطان لا تستعيد عافيتها بتوسيع ساحات المواجهة، ولا تُصان سيادتها بتسليم قرارها إلى جماعات مسلحة ، بل باستعادة المؤسسات الشرعية ، وتوحيد القرار الوطني ، وتوجيه الإمكانات نحو التنمية وإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية .
وفي المقابل ، فإن المجتمع الدولي مطالب بألا يتعامل مع الاعتداءات الحوثية باعتبارها أحداثا منفصلة أو أزمات عابرة ، بل بوصفها جزءا من معادلة تهدد أمن المنطقة وتقوّض فرص التسوية .
فالتساهل مع الاعتداءات لا يصنع السلام، وتجاهل مصادر التصعيد لا ينهي الصراع، وإنما يفتح الباب أمام مزيد من المخاطر التي يدفع ثمنها المدنيون ، في اليمن كما في دول الجوار .
في نهاية المطاف، لن يكون الانتصار الحقيقي في عدد الصواريخ أو اتساع رقعة المواجهة ، بل في أن يستعيد اليمن دولته وقراره، وأن تنعم المملكة العربية السعودية بالأمن الذي تستحقه، وأن تتحول العلاقة بين البلدين من مواجهة تفرضها التهديدات إلى شراكة تصنعها المصالح المشتركة وآفاق التنمية والتكامل.
تلك هي المعركة الحقيقية : ليست معركة حدود فحسب، بل معركة من أجل الدولة في مواجهة الميليشيا، والسيادة في مواجهة الارتهان، والتنمية في مواجهة الاستنزاف. فاليمن لا يستحق أن يبقى رهينة للحرب، والسعودية لا يجوز أن تكون مستهدفة في أمنها، والمنطقة لن تجد طريقها إلى الاستقرار ما لم يُغلق الباب أمام مشاريع الفوضى ، ويُفتح أمام الشعوب أفق الدولة والسلام والمستقبل .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *