المغرب بريء بشهادة سانشيز … حين تسقط رواية الاتهام أمام الحقيقة .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في ملف الهجرة الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ورقة سياسية وإعلامية ضد المغرب، جاءت شهادة لا يمكن تجاهلها من الطرف الأكثر ارتباطا بالملف : رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز .
ففي خضم الجدل الذي أعقب مأساة سبتة، نفى سانشيز بشكل واضح و جلي وجود أي معلومات لدى أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية تشير إلى تورط المغرب أو ضلوعه في الأزمة التي شهدتها المدينة المحتلة .
وهذه ليست شهادة صادرة عن الرباط، ولا دفاعا دبلوماسيا مغربيا عن النفس ، وإنما موقف صادر عن رئيس الحكومة الإسبانية نفسها.
الأكثر دلالة أن سانشيز كشف أن المغرب عرض منذ 30 يوليو تعاونا فوريا على السلطات الإسبانية من أجل احتواء الاقتحام الجماعي ، مؤكدا أن غياب التعاون كان سيجعل الأزمة أكثر تعقيدا وتفاقما .
فكيف يمكن، بعد ذلك، أن يكون المغرب هو الذي يقف وراء أزمة يسعى في الوقت نفسه إلى المساعدة في احتوائها؟ .
هذه الحقيقة تضع كثيرا من الروايات التي حاولت إلصاق مأساة سبتة بالمغرب أمام سؤال بسيط : أين الدليل؟ .
لقد كانت سبتة مسرحا لمأساة إنسانية قاسية، خلفت عشرات الضحايا، وسط تدفق جماعي للمهاجرين .
ومن الطبيعي أن يبحث الرأي العام عن المسؤوليات والأسباب ، لكن تحويل المأساة إلى اتهام سياسي جاهز للمغرب لا يصنع الحقيقة ، ولا يعالج جذور ظاهرة الهجرة غير النظامية .
والأخطر أن بعض الأصوات السياسية والإعلامية تعاملت مع المغرب باعتباره المتهم الدائم، وكأن كل أزمة هجرة في الضفة الإسبانية لا بد أن يكون لها تفسير مغربي .
غير أن شهادة سانشيز نفسه تقلب هذه المعادلة : أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة، لم تقدم أي معلومات تثير الشك في مشاركة المغرب.
بل إن رئيس الحكومة الإسبانية أشار إلى عوامل أخرى تستحق التحقيق ، من بينها استغلال المنظمات الإجرامية للوضع، وانتشار الشائعات والمعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تداعيات الحكم القضائي الذي منع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحة إلى سبتة ومليلية.
وهنا تتضح الصورة أكثر : الهجرة غير النظامية ظاهرة معقدة، تقف وراءها شبكات تهريب واتجار بالبشر، وفقر وحروب واضطرابات وأوهام تغذيها المعلومات الكاذبة، وليست مجرد قرار سياسي مغربي يمكن اختزاله في نظرية مؤامرة.
أما المغرب، الذي يدفع ثمنا أمنيا وإنسانيا واقتصاديا كبيرا لمواجهة شبكات الهجرة والاتجار بالبشر ، فقد أصبح شريكا أساسيا لأوروبا في حماية الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة.
ومن الصعب منطقيا أن يكون شريكا في حماية الحدود وفي الوقت نفسه العقل المدبر لتفجيرها.
لقد آن الأوان للتعامل مع المغرب بعيداً عن منطق الاتهام الجاهز . فالعلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تختزلها أزمة عابرة أو أن تتحول الهجرة إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية.
والأهم أن الحقيقة لا تحتاج إلى حملات تبرير عندما تتحدث عنها المؤسسات نفسها .
حين يقول رئيس الحكومة الإسبانية إن أجهزة أمن بلاده واستخباراتها لا تملك أي معلومات تشير إلى تورط المغرب، فإن هذه الشهادة كافية لإعادة ترتيب النقاش : المغرب ليس المتهم الذي يبحث البعض عن إدانته، بل شريك لا غنى عنه في مواجهة واحدة من أعقد أزمات العصر.
أما مأساة سبتة، فيجب أن تكون مناسبة للبحث عن الحقيقة ومحاسبة شبكات الاتجار بالبشر ومواجهة التضليل، لا ذريعة لإدانة المغرب بلا دليل .

