” جزّ العشب ” في إيران .. حين لا تنتهي الحرب بل تنتظر موعدها .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
ليست أخطر الأسئلة التي تطرحها الحرب على إيران تلك المتعلقة بما تم تدميره من منشآت ، أو بما بقي من قدراتها العسكرية ، أو حتى بمن خرج منتصرا من جولة القتال . السؤال الأخطر يبدأ بعد أن يصمت القصف : ماذا بعد الحرب ؟ .
فالحرب قد تنتهي باتفاق ، أو بهدنة ، أو بتراجع أحد الطرفين .
لكنها قد تتوقف من دون أن تنتهي فعليًا، لتتحول إلى سلسلة من الجولات المتقطعة، يفصل بينها هدوء مؤقت لا يشبه السلام بقدر ما يشبه الاستعداد للمعركة التالية.
وهنا يبرز مفهوم يبدو للوهلة الأولى غريبا على لغة الاستراتيجيات العسكرية : ” جزّ العشب ” .
التعبير ذو أصل إسرائيلي ، ويصف استراتيجية تقوم على إضعاف الخصم بصورة دورية بدل خوض حرب شاملة ومستمرة ضده .
الفكرة بسيطة في ظاهرها : لا تنتظر حتى يستعيد الخصم كامل قوته، بل اضربه عندما يبدأ في إعادة بناء قدراته ، ثم توقف ، وانتظر إلى أن ” ينمو العشب ” من جديد ، لتعود إلى جزّه مرة أخرى .
وقد انتقل هذا المفهوم في عدد من التحليلات الاستراتيجية إلى الحالة الإيرانية ، باعتباره أحد السيناريوهات الممكنة للتعامل مع طهران بعد الحرب .
لكن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية .
فما قد يبدو حلا وسطا بين الحرب والسلام قد يتحول عمليا إلى حرب بلا نهاية سياسية : ضربة لإضعاف إيران ، ثم هدنة ، ثم إعادة بناء ، ثم ضربة جديدة ، ثم هدوء مؤقت ، ثم جولة أخرى .
لا احتلال ، ولا حرب شاملة دائمة ، ولا سلام نهائي .
إنها حرب مؤجلة باستمرار .
وهذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا حين يتعلق الأمر بدولة مثل إيران .
فنحن لا نتحدث عن جماعة مسلحة محدودة القدرات ، وإنما عن دولة تمتلك جيشًا وصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ، وشبكات نفوذ إقليمية ، وقدرة على التأثير في أمن الملاحة والطاقة ، فضلا عن برنامج نووي جعل الردع جزءا أساسيا من حساباتها الأمنية والاستراتيجية .
ولهذا فإن إضعاف القدرات الإيرانية بالقوة قد لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد ، بل قد يدفع طهران إلى نتيجة معاكسة تماما : إذا كانت الضربات ستتكرر كلما استعادت جزءا من قوتها ، فإن امتلاك قدرة ردع أكبر قد يصبح ، في نظرها ، الطريق الوحيد لمنع الضربة المقبلة .
وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الحرب : قد تؤدي الضربة التي تستهدف منع إيران من امتلاك قدرة ردع إلى دفعها نحو البحث عن ردع أقوى .
أي أن الحرب قد تنتج ، على المدى البعيد ، بعض ما جاءت أصلا لمنعه .
لقد أثبتت تجارب الصراعات الحديثة أن تدمير المنشآت لا يعني بالضرورة تدمير القدرة على إعادة البناء ، وأن استهداف القادة أو المنصات أو المخازن لا يمحو المعرفة والخبرة والكوادر والشبكات التي أنتجت تلك القدرات .
ولهذا فإن الاحتفال بالانتصار العسكري لا ينبغي أن يسبق الإجابة عن سؤال أكثر أهمية : هل تغيرت المعادلة فعلا ، أم أننا أرجأنا الجولة التالية منها ؟ .
وهنا لا يتعلق الأمر بإيران وحدها .
فالخليج سيكون ، على الأرجح ، من أكثر المناطق تعرضا لتداعيات تحويل الحرب إلى سياسة ” جزّ عشب ” دورية .
ففي كل جولة جديدة ستكون منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية والقواعد والمنشآت الحيوية في المنطقة جزءًا من حسابات التصعيد .
وقد أظهرت الحرب أن إيران ، عندما تشعر بأنها محاصرة ، تستطيع نقل المواجهة إلى المجال الأوسع .
ومضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي . إنه أحد أكثر مفاتيح الاقتصاد العالمي حساسية . وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبره لن يبقى خلافا أميركيا إيرانيا ، بل يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية في الطاقة والتجارة والأسواق .
وهنا تحديدا ينبغي أن يكون لدول الخليج صوت أكبر في النقاش حول مستقبل المنطقة .
ليس باعتبارها دولا تنتظر ما ستقرره واشنطن أو طهران ، وإنما باعتبارها صاحبة مصلحة مباشرة في شكل النظام الأمني الذي سيولد بعد الحرب .
فالخليج لا يحتاج إلى حرب دائمة منخفضة الوتيرة ، لكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى عودة إيران إلى بناء قوة إقليمية بلا قيود .
المطلوب معادلة ثالثة : ردع يمنع الاعتداء ، ودبلوماسية تمنع الانفجار ، وترتيبات أمنية تجعل استقرار الخليج مصلحة مشتركة ، لا ورقة تفاوض بين القوى الكبرى .
ومن هنا ، فإن السؤال الحقيقي ليس : هل ستعود إيران إلى قوتها ؟.
بل : أي إيران ستخرج من الحرب؟ وأي خليج سيخرج منها ؟ .
فإيران التي تخرج من الحرب مقتنعة بأن قوتها التقليدية لم تعد كافية لحمايتها قد تبحث عن وسائل ردع أكثر خطورة .
وإيران التي ترى أن الحل يكمن في إعادة بناء ترسانتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة وشبكات نفوذها ، ستدخل حتما في سباق جديد مع الولايات المتحدة وإسرائيل .
وفي المقابل، إذا خرج الخليج من الحرب مكتفيا بمراقبة المشهد من بعيد ، فسوف يجد نفسه مرة أخرى أمام معادلة تُرسم فوقه، لا معه .
وهذا تحديدا ما ينبغي ألا يحدث .
لقد تغير الخليج .
لم تعد دوله مجرد دول نفطية تبحث عن حماية خارجية ، بل أصبحت قوى اقتصادية ودبلوماسية مؤثرة ، ومراكز عالمية للطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا .
وبالتالي ، فإن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية محدودة ، بل أصبح جزءا من أمن الاقتصاد العالمي نفسه .
ومن هنا يستحيل تصور مستقبل إيران بمعزل عن مستقبل الخليج .
إذا كان الهدف هو منع إيران من استعادة قدرات تهدد جيرانها ، فإن المهمة لا ينبغي أن تنتهي عند إضعافها عسكريا ، بل يجب أن تمتد إلى بناء ترتيبات سياسية وأمنية تمنع عودة التهديد من جذوره .
أما إذا انتهت الحرب إلى قاعدة مفادها أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستعودان إلى الضرب كلما ” طال العشب ” ، فإن المنطقة لن تكون قد خرجت من الحرب .
ستكون قد دخلت نظاما جديدا من الحروب المؤجلة .
وعندها لن يكون السؤال : متى تنتهي الحرب ؟ .
بل : متى تبدأ الجولة التالية؟ .
وهنا تحديدا تكمن حدود القوة العسكرية .
فالقوة تستطيع أن تدمر الصواريخ والمنشآت والقواعد ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج استقرارا سياسيا.
والشرق الأوسط لا تنقصه القدرة على تدمير الأسلحة ، بقدر ما تنقصه القدرة على بناء معادلة أمنية تجعل استخدام الأسلحة أقل ضرورة .
لهذا قد ينجح ” جزّ العشب ” في قصّ قدرة الخصم لبعض الوقت ، لكنه لا يقدم إجابة عن السؤال الأصعب : ماذا نفعل حتى لا ينمو العشب من جديد ؟ .
الإجابة ليست في جزّه إلى الأبد .
الإجابة في تغيير البيئة التي تجعله ينمو .
وهذه هي المعركة الحقيقية التي تبدأ عندما يتوقف القصف .
