بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
يوم السبت 24 يناير 2026، احتضنت مدينة أكادير، بغرفة الصناعة والتجارة والخدمات، فعاليات المؤتمر الوطني للتعايش في نسخته الأولى، الذي نظمته مؤسسة سوس ماسة للعيش المشترك، بمشاركة فاعلين مؤسساتيين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني، إلى جانب خبراء ومهتمين بقضايا التعدد الثقافي، ومحاربة التطرف، وحل النزاعات. وقد تميزت أشغال المؤتمر برئاسة الكاتبة الصحفية المتألقة نصرة بنعمار، التي أدارت الحوار باقتدار، فنجحت في ضبط إيقاع النقاش وفتح مساحات تفاعلية حقيقية بين المتدخلين، مما أعطى اللقاء بعدًا عمليًا وثقافيًا متقدمًا.
موضوع المؤتمر الوطني دار حول ” التعايش كمرجعية جامعة لتدبير مكونات المجتمع المغربي”، وهو ما انعكس بوضوح في النقاشات والمداخلات التي ركزت على كيفية بناء أدوات وسياسات محلية تعزز السلم الاجتماعي وتدير التنوع الثقافي والديني والفكري في المجتمع المغربي، بعيدًا عن النماذج الجاهزة أو المعالجات السطحية.
لم يكن انعقاد المؤتمر حدثًا عابرًا في رزنامة اللقاءات الفكرية، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بأسئلة الهوية والانقسامات، ما جعل التعايش كخيار استراتيجي مسألة راهنة لا تقبل التأجيل أو المعالجة السطحية.
اختيار أكادير لم يكن تفصيلاً تنظيميًا، بل يحمل دلالات عميقة. فالمدينة، بما تختزنه من تاريخ وتعدد ثقافي وانفتاح إنساني، تمثل فضاءً حيًا لممارسة التعايش يوميًا، بعيدًا عن المركزية الرمزية للعواصم، حيث يتقاطع الاجتماعي بالثقافي واليومي بالسياسي. ومن هذا المنطلق، عبّر المؤتمر عن قناعة راسخة لدى مؤسسة سوس ماسة بأن الحوار حول التعايش لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي لاستقرار المجتمع المغربي.
قيمة هذا المؤتمر لا تكمن فقط في موضوعه أو تنوع المشاركين، بل في كونه نموذجًا لدور المبادرات المحلية في مقاربة القضايا الكبرى. ففي عالم تتعولم فيه الأزمات وتُصدَّر فيه الحلول الجاهزة، يكتسب الفعل المحلي أهميته بوصفه القادر على ترجمة القيم الكونية إلى أسئلة ملموسة مرتبطة بالسياق الاجتماعي والثقافي. فالتطرف وخطابات الكراهية لا تنشأ في الفراغ، بل تتغذى من هشاشات محلية، ما يجعل مواجهتها تبدأ من حيث تتشكل.
لقد وفّر المؤتمر فضاءً حقيقيًا للحوار الهادئ والمسؤول، حيث التقت الرؤية الأكاديمية بالتجربة الميدانية، والتفكير الحقوقي بالممارسة التربوية والإعلامية. هذا التلاقي،منح اللقاء بعده العملي، وحوّله إلى مختبر اجتماعي لإنتاج فهم مشترك، وبناء جسور الثقة بين الفاعلين، وتفكيك الصور النمطية التي غالبًا ما تغذي الانقسام بدل معالجته.
كما أكدت مداخلات المؤتمر وتوصياته أن التعايش لا يقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل على منظومة متكاملة تشمل العدل كضمانة للكرامة الإنسانية، والتعليم كرافعة لبناء وعي نقدي منفتح، والإعلام المسؤول كفاعل أساسي في حماية السلم المجتمعي، إلى جانب حوار دائم بين مختلف المكونات الفكرية والروحية. إنها مقاربة شمولية تؤكد أن السلم ليس حالة ظرفية، بل بناء يومي يتطلب تأطيرًا قانونيًا وممارسة اجتماعية واعية.
وتزداد أهمية مثل هذه المؤتمرات حين تُقرأ باعتبارها تعبيرًا عن سيادة مجتمعية في معالجة القضايا الحساسة. فهي رسالة ثقة في قدرة المجتمع المغربي على إنتاج حلول نابعة من داخله، بعيدًا عن استنساخ نماذج لا تراعي الخصوصيات. وفي هذا المعنى، تتحول المبادرة المحلية إلى خطاب وطني هادئ، يؤكد أن المغرب، بتعدده الثقافي والروحي، قادر على تقديم نموذج للتعايش لا يقوم على نفي الاختلاف، بل على إدارته بالحوار والقانون.
إن المؤتمر الوطني للتعايش بأكادير لا يمكن قراءته كحدث ظرفي أو كتظاهرة فكرية معزولة، بل كفعل رمزي وعملي في آن، يؤكد أن بناء السلم يبدأ من المجتمعات حين تمتلك الجرأة على مواجهة أسئلتها الداخلية بالحوار والمعرفة. فالمبادرات التي تنبع من السياق المحلي، حين تتأسس على وعي ثقافي وحقوقي عميق، لا تكتفي بخدمة محيطها المباشر، بل تساهم في إثراء النقاش الإنساني الأوسع حول إدارة التعدد، ومقاومة التطرف، وصيانة الكرامة الإنسانية. وفي عالم تتكاثر فيه بؤر التوتر وتتعثر فيه الحلول الكبرى، تبرز مثل هذه اللقاءات كدليل هادئ على أن السلم العالمي ليس مشروعًا فوقيًا يُفرض من الخارج، بل حصيلة تراكمية لمسارات محلية واعية، قادرة على تحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى رافعة للاستقرار المشترك والاستدامة الإنسانية.
وإذ يُسجَّل نجاح هذه الدورة الأولى، فإن الأمل معقود على تنظيم مؤتمرات لاحقة تُواصل البناء على هذا النجاح، وتحوّل النقاش حول التعايش كمرجعية جامعة لتدبير مكونات المجتمعات الإنسانية عامة لا فقط المجتمع المغربي.



