تونس 26°C

23 جوان 2026

تونس 38°C

23 جوان 2026

ليبيا و ترتيباتها … أين تونس من هذا المشهد؟.

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

من يراقب الحراك السياسي المتسارع حول ليبيا خلال الأيام الأخيرة يدرك أن الملف لم يعد يعيش مرحلة التصريحات والبيانات فقط ، بل انتقل بهدوء إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيدا : مرحلة هندسة الترتيبات ورسم موازين النفوذ والضمانات .
فبينما كانت الوثائق والبيانات تحاول تقديم مقاربات للحل من داخل المؤسسات القائمة ، بدأت تظهر ملامح طبقة جديدة من الفعل السياسي والأمني ، حيث تتداخل المبادرات الإقليمية والدولية مع حسابات القوى المؤثرة على الأرض .
لقد حاولت وثيقة الرئاسات الليبية الثلاث رسم مسار من داخل الأجسام القائمة ، في محاولة لإعادة إنتاج حل ليبي من الداخل .
لكن بيان القيادة العامة أعاد التذكير بحقيقة أساسية في المشهد الليبي : لا يمكن لأي تسوية أن تنجح إذا لم تتعامل مع موازين القوى الفعلية على الأرض .
ثم جاء تحرك المبعوث الأمريكي مسعد بولس ليعطي إشارة واضحة بأن واشنطن تريد لعب دور مباشر في صياغة المسار المقبل ، ليس فقط عبر الدعوات السياسية ، بل عبر البحث عن صيغة تجمع بين توحيد المؤسسات وضبط التوازنات العسكرية والاقتصادية والسياسية .
حتى موقف جامعة الدول العربية ، الذي قد يبدو للبعض مجرد بيان إضافي ، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق .
فالجامعة حاولت توفير غطاء عربي لأي مسار مقبل ، والتأكيد على أن الحل الليبي يجب أن يبقى ليبيا في جوهره ، بعيدا عن أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الخارجية .
لكن الاجتماع الذي جمع مصر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة كشف أن الملف الليبي أصبح جزءا من معادلة إقليمية أكبر .
فليبيا اليوم ليست مجرد أزمة داخلية، بل هي نقطة تقاطع بين أمن المتوسط، والطاقة، والهجرة، والتوازنات العسكرية، والأمن القومي العربي.
وفي هذا الإطار ، فإن حضور اللواء حسن رشاد ، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية ، في طرابلس لم يكن تفصيلا بروتوكوليا .
فالقاهرة تنظر إلى ليبيا باعتبارها امتدادا مباشرا لأمنها القومي ، بحكم الحدود والتداخلات الأمنية والسياسية ، كما تتابع بحذر ملفات الحضور التركي وانتشار السلاح ومستقبل المؤسسات السيادية الليبية .
ثم جاء لقاء الفريق صدام حفتر مع مسعد بولس ليؤكد أن المسار يتحرك نحو البحث عن تفاهمات عملية ، لا عن شعارات سياسية فقط .
فهناك طرف يملك نفوذا ميدانيا ، وراعٍ دولي يبحث عن مخرج قابل للتنفيذ ، وقوى إقليمية تريد ضمان مصالحها الأمنية والاستراتيجية .
لكن وسط كل هذه التحركات يبرز سؤال مؤلم : أين تونس ؟.
فمن المفارقات التاريخية والجغرافية أن تكون تونس من أكثر الدول إرتباطا بالملف الليبي ، بحكم الحدود الطويلة ، وتشابك المصالح الاقتصادية والاجتماعية ، وحجم التبادل البشري والتجاري ، وتأثير أي اضطراب في ليبيا مباشرة على الأمن والاستقرار التونسي .
ومع ذلك، يبدو الحضور التونسي غائبا عن الطاولات التي تصنع ملامح المرحلة المقبلة . وهذا الغياب ليس مجرد خسارة دبلوماسية ، بل قد يكون تفويتا لدور طبيعي كان يمكن لتونس أن تلعبه : دور الدولة الجارة التي تعرف تفاصيل المشهد الليبي ، وتملك رصيدا من العلاقات مع مختلف الأطراف ، ويمكن أن تكون جسرا للحوار لا مجرد متلق لنتائج الآخرين .
المشهد الليبي الجديد يقول إن التسوية القادمة لن تكون مجرد إعلان انتخابات أو خارطة طريق جديدة ، بل ستكون عملية دقيقة لبناء منظومة ضمانات : من يضبط المؤسسات ؟ من يطمئن دول الجوار ؟ من يضمن التوازن بين القوى الداخلية والخارجية ؟ ومن يملك القدرة على تحويل الاتفاقات إلى واقع؟.
ليبيا دخلت مرحلة جديدة : مرحلة الغرف المغلقة ، والاتصالات الهادئة ، وترتيب المصالح . ومن يقرأ الصور والبيانات معاً يدرك أن ما يجري ليس سباقاً بين التصريحات، بل إعادة رسم لخريطة نفوذ في قلب شمال أفريقيا.
والسؤال الذي سيبقى مطروحا : هل تستعيد تونس دورها الطبيعي في ملف هو الأقرب إليها جغرافيا والأكثر تأثيرا على مستقبلها ؟ أم تترك الآخرين يقررون مستقبل جارها الأكبر ثم تكتفي بالتعامل مع النتائج .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية