اتفاقية مكة … السعودية وتركيا وباكستان ترسم ملامح معادلة جديدة للأمن
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس أهمية الاتفاقيات بما تحمله من عبارات وبنود على الورق، وإنما بما يمكن أن تنتجه من تحولات في الواقع .
فبعض الاتفاقيات لا تأتي لتوثيق واقع قائم، بل لتفتح الطريق أمام واقع جديد ، وتعيد تعريف موازين القوة وطبيعة الشراكات في مرحلة تتغير فيها قواعد الأمن والسياسة بسرعة غير مسبوقة .
ومن هذه الزاوية ، تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز حدود الحدث او الخبر السياسي العابر ، لأنها تفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل الأمن الإقليمي ، ولموقع المملكة في منظومة إقليمية ودولية تتشكل ملامحها من جديد .
فالعالم الذي دخل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لم يعد العالم الذي كانت تُقاس فيه القوة بعدد الجنود والدبابات والطائرات وحدها .
الأمن نفسه تغيّر مفهومه ، وأصبح أكثر تعقيدًا واتساعًا.
فالدول تواجه اليوم مخاطر تمتد من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الهجمات السيبرانية ، ومن حماية المنشآت الحيوية إلى أمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة .
وفي مثل هذا العالم ، لم يعد بإمكان أي دولة أن تنظر إلى أمنها باعتباره شأنا داخليا منفصلًا عن أمن محيطها ، أو أن تبني استراتيجيتها على افتراض أن حروب المستقبل ستكون واضحة المعالم كما كانت حروب الماضي .
من هنا تبدأ دلالة اتفاقية مكة.
فهي لا تمثل مجرد إضافة جديدة إلى سجل العلاقات السعودية ـ التركية ـ الباكستانية، وإنما تنقل هذه العلاقات إلى مستوى أكثر تنظيما وحساسية ، هو مستوى الأمن والدفاع. وهذه النقلة تحمل في حد ذاتها دلالة استراتيجية ، لأن بناء ترتيبات دفاعية مشتركة لا يحدث عادة إلا عندما تتقاطع المصالح ، وتتراكم الثقة ، وتتوافر لدى الأطراف قناعة بأن التعاون الأمني يمكن أن يخدم مصالحها بعيدة المدى .
ولعل اختيار مكة المكرمة مكانا لهذا الحدث يضيف إليه بعدا رمزيا خاصا .
فمكة ليست مجرد موقع جغرافي، وإنما تحمل مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي، ولذلك فإن الرسالة التي يمكن قراءتها من هذا الاختيار تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، لتلامس مفهوما أوسع للأمن والاستقرار والتعاون بين الدول الإسلامية .
ومن هذه الزاوية ، فإن الاتفاقية لا تحتاج إلى عدو محدد لكي تكون ذات قيمة .
فالتحالفات والشراكات الدفاعية الحديثة لا تُبنى بالضرورة على أساس مواجهة طرف بعينه ، وإنما على أساس حماية المصالح ، وتعزيز القدرات ، ورفع مستوى الجاهزية ، وتوفير أدوات أفضل للتعامل مع الأزمات .
فالردع ، في جوهره ، ليس رغبة في استخدام القوة ، وإنما القدرة على إقناع الآخرين بأن استخدام القوة ضدك لن يكون خيارا سهلا أو منخفض التكلفة .
وكلما اتسعت شبكة الشراكات ، وتكاملت القدرات ، وتشابكت المصالح ، أصبحت حسابات أي جهة تفكر في المغامرة أكثر تعقيدا.
وهنا تكمن إحدى أهم الدلالات الاستراتيجية لاتفاقية مكة .
السعودية ليست طرفا عاديا في هذه المعادلة .
فهي دولة ذات وزن اقتصادي وسياسي وجغرافي وديني استثنائي ، وأمنها يرتبط بصورة مباشرة بأمن الخليج والشرق الأوسط وبسلامة طرق الطاقة والتجارة في المنطقة .
أما تركيا ، فهي قوة إقليمية كبرى تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متطورة ، وخبرة واسعة في مجالات التكنولوجيا الدفاعية ، فضلا عن موقع جيو – سياسي يجعلها نقطة اتصال بين الشرق والغرب وبين عدة دوائر استراتيجية .
كما تملك باكستان بدورها خبرة عسكرية واستراتيجية واسعة ، وموقعا بالغ الحساسية في جنوب آسيا ، وقدرات دفاعية وصناعية تمنحها وزنا لا يمكن تجاهله .
وعندما تلتقي هذه العناصر الثلاثة ، فإن المسألة لا تعود مجرد جمع لثلاث قدرات وطنية ، بل تفتح المجال أمام إمكان بناء منظومة متكاملة : ثقل اقتصادي وسياسي سعودي ، وقدرات صناعية وتكنولوجية تركية ، وخبرة عسكرية واستراتيجية باكستانية .
وإذا جرى تطوير هذا التكامل بصورة مؤسسية ، فقد يتجاوز التعاون حدود التنسيق الدفاعي إلى مجالات أوسع ، مثل الصناعات العسكرية ، والتكنولوجيا المتقدمة ، والتدريب ، وتبادل الخبرات ، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية ، وتطوير منظومات الإنذار المبكر والاستجابة للأزمات .
وهذا البعد لهو بالغ الأهمية لأن طبيعة الحرب نفسها تتغير.
فالمواجهة المقبلة قد لا تبدأ بإعلان حرب تقليدي .
قد تبدأ بهجوم إلكتروني يستهدف بنية تحتية حيوية ، أو بهجمات بطائرات مسيّرة ، أو بتهديد منشآت استراتيجية ، أو باضطراب في إمدادات الطاقة ، أو باستهداف طرق التجارة والاتصالات .
لهذا فإن مفهوم الأمن الذي يختزل القوة في الجيوش والأسلحة التقليدية لم يعد كافيا لاستيعاب تحديات القرن الحادي والعشرين .
كما ان قوة الاتفاقيات الدفاعية الحديثة لا تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة ، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج المعرفة الأمنية، وتبادل المعلومات ، وتطوير التكنولوجيا ، وبناء أنظمة الإنذار والاستجابة ، وتعزيز الصناعات الدفاعية ، وتقليل الاعتماد على الخارج في المجالات الاستراتيجية .
ومن هنا يمكن فهم الإمكانات التي تحملها الشراكة السعودية ـ التركية ـ الباكستانية .
لكن من المهم أيضا ألا تُقرأ الاتفاقية باعتبارها بديلا عن منظومة الأمن الخليجي أو مشروعًا لمنافستها.
فالدول الحديثة لا تبني أمنها من خلال دائرة واحدة من العلاقات ، وإنما تعتمد على طبقات متعددة من الشراكات والتحالفات، وفقًا لمصالحها وحساباتها الاستراتيجية.
وبالتالي، فإن تعزيز السعودية لعلاقاتها الدفاعية مع تركيا وباكستان لا يعني بالضرورة الابتعاد عن محيطها الخليجي، بل يمكن أن يضيف طبقة جديدة من القدرة إلى منظومة الأمن الإقليمي .
فالمملكة ، بحكم موقعها وحجمها وثقلها ، تمثل أحد المكونات الأساسية في معادلة أمن الخليج ، وكل ما يعزز قدرتها على حماية أراضيها ومصالحها وممراتها الاستراتيجية يمكن أن ينعكس إيجابا على البيئة الأمنية المحيطة بها .
والأهم من ذلك كله أن الاتفاقية تعكس تحولا أوسع في مفهوم السعودية للقوة.
فالقوة السعودية لم تعد تُختزل في الثروة النفطية ، ولا في الوزن الاقتصادي ، ولا في المكانة الدينية والسياسية وحدها .
المملكة تعمل على بناء منظومة متكاملة للقوة ، تجمع الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا والصناعة والدفاع ، وتضع الشراكات الإقليمية والدولية في قلب استراتيجية حماية المصالح الوطنية.
وهذا هو جوهر السعودية الجديدة.
دولة لا تنتظر أن تُعاد صياغة البيئة الإقليمية من حولها ثم تتكيف معها، وإنما تسعى إلى أن تكون شريكا كاملا فاعلا في صياغة تلك البيئة.
لقد تغيرت وظيفة الشراكة في السياسة السعودية .
فلم تعد مجرد وسيلة للحصول على الدعم عند الأزمات ، وإنما أصبحت أداة استراتيجية لتنويع الخيارات ، وتوسيع هامش الحركة ، وبناء شبكة من العلاقات التي تمنح المملكة قدرة أكبر على إدارة المخاطر والأزمات .
وفي هذا السياق ، تكتسب كل من تركيا وباكستان أهمية خاصة .
انهما دولتان كبيرتان ، لكل منهما ثقلها الإقليمي وقدراتها وخبراتها ، والعلاقات معهما ليست وليدة اللحظة فحسب ، بل تستند إلى تراكم تاريخي من الروابط والمصالح .
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لاتفاقية مكة لن تظهر بالضرورة في اليوم التالي لتوقيعها ، وإنما ستتحدد خلال السنوات المقبلة.
و تبقى الاسئلة :
هل تتحول إلى آليات عملية؟ .
هل تفتح الباب أمام تعاون دفاعي وصناعي وتقني أكثر عمقا؟.
هل تنتج قدرات مشتركة للتعامل مع المخاطر الجديدة؟.
وهل تصبح نموذجا لشراكات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة بدل الاصطفافات الجامدة؟.
هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية حجم التحول الذي يمكن أن تصنعه هذه الاتفاقية .
لكن ما هو مؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد قادرًا على إدارة أمنه بالطريقة نفسها التي أدار بها أزماته خلال العقود الماضية .
فموازين القوة تتغير ، ومصادر القوة تتعدد ، والتحالفات أصبحت أكثر مرونة ، والدول تبحث عن مساحات جديدة لحماية مصالحها في عالم لا تمنح فيه الجغرافيا وحدها ضمانات كافية .
وفي هذا العالم ، لا تستطيع الدول أن تظل مجرد مستهلكة للأمن ، بل عليها أن تصبح شريكة في إنتاجه .
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها في اتفاقية مكة : أن الأمن الإقليمي يدخل مرحلة جديدة، لا يكفي فيها الاعتماد على طرف واحد ، ولا تستطيع التحالفات التقليدية وحدها الإجابة عن جميع التحديات ، بينما يصبح بناء شبكات متنوعة من الشراكات إحدى أهم أدوات الدولة الحديثة لحماية مصالحها .
ومن مكة ، لا تبدو الرسالة موجهة بالضرورة إلى طرف بعينه ، بقدر ما تبدو موجهة إلى المستقبل.
فالقوة التي لا تبحث عن الحرب يمكن أن تكون وسيلة لمنعها ، والشراكة التي لا تقوم على العداء قد تكون أكثر استدامة من التحالفات التي تولد من الخوف ، والدولة التي توسع خياراتها الاستراتيجية تصبح أكثر قدرة على حماية أمنها دون أن تتخلى عن الدبلوماسية .
وهنا تحديدا تكمن أهمية اتفاقية مكة .
إنها ليست مجرد وثيقة دفاعية جديدة ، ولا مجرد محطة أخرى في تاريخ العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان ، وإنما تعبير عن فهم متطور لمعنى القوة في عالم سريع التغير ، قوة تقوم على تعدد الشراكات ، وتكامل القدرات ، وتبادل المصالح ، والاستعداد للمخاطر قبل وقوعها .
وقد يكون من المبكر الجزم بما ستؤول إليه هذه التجربة ، لكن التاريخ يعلّمنا أن بعض التحولات الكبرى تبدأ بخطوات تبدو محدودة في لحظتها ، ثم تكشف السنوات أنها كانت تؤسس لمرحلة مختلفة .
ولهذا فإن ما جرى في مكة يستحق أن يُقرأ ليس باعتباره اتفاقا بين ثلاث دول إسلامية فحسب ، وإنما باعتباره محاولة لبناء مساحة جديدة في النظام الأمني الإقليمي ، مساحة تقوم على توازن أكثر ذكاء ، وشراكات أكثر اتساعا ، وقدرة أكبر على منع الأزمات قبل تحولها إلى حروب .
ففي زمن تتغير فيه خرائط القوة ، لم تعد الدولة الأقوى هي التي تمتلك السلاح الأكثر فقط ، وإنما التي تعرف كيف تحول علاقاتها إلى قوة ، ومصالحها إلى شراكات ، وشراكاتها إلى قدرة على حماية المستقبل .
من مكة اليوم ، تبدو السعودية وكأنها توجه رسالة أبعد من مجرد توقيع اتفاق : إن أمن المستقبل لا يُرتقب و لا يُنتظر … بل يُبنى انطلاقا من هذه اللحظة تحديدا .
تظهر بالضرورة في اليوم التالي لتوقيعها ، وإنما ستتحدد خلال السنوات المقبلة.
و تبقى الاسئلة :
هل تتحول إلى آليات عملية؟ .
هل تفتح الباب أمام تعاون دفاعي وصناعي وتقني أكثر عمقا؟.
هل تنتج قدرات مشتركة للتعامل مع المخاطر الجديدة؟.
وهل تصبح نموذجا لشراكات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة بدل الاصطفافات الجامدة؟.
هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية حجم التحول الذي يمكن أن تصنعه هذه الاتفاقية .
لكن ما هو مؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد قادرًا على إدارة أمنه بالطريقة نفسها التي أدار بها أزماته خلال العقود الماضية .
فموازين القوة تتغير ، ومصادر القوة تتعدد ، والتحالفات أصبحت أكثر مرونة ، والدول تبحث عن مساحات جديدة لحماية مصالحها في عالم لا تمنح فيه الجغرافيا وحدها ضمانات كافية .
وفي هذا العالم ، لا تستطيع الدول أن تظل مجرد مستهلكة للأمن ، بل عليها أن تصبح شريكة في إنتاجه .
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها في اتفاقية مكة : أن الأمن الإقليمي يدخل مرحلة جديدة، لا يكفي فيها الاعتماد على طرف واحد ، ولا تستطيع التحالفات التقليدية وحدها الإجابة عن جميع التحديات ، بينما يصبح بناء شبكات متنوعة من الشراكات إحدى أهم أدوات الدولة الحديثة لحماية مصالحها .
ومن مكة ، لا تبدو الرسالة موجهة بالضرورة إلى طرف بعينه ، بقدر ما تبدو موجهة إلى المستقبل.
فالقوة التي لا تبحث عن الحرب يمكن أن تكون وسيلة لمنعها ، والشراكة التي لا تقوم على العداء قد تكون أكثر استدامة من التحالفات التي تولد من الخوف ، والدولة التي توسع خياراتها الاستراتيجية تصبح أكثر قدرة على حماية أمنها دون أن تتخلى عن الدبلوماسية .
وهنا تحديدا تكمن أهمية اتفاقية مكة .
إنها ليست مجرد وثيقة دفاعية جديدة ، ولا مجرد محطة أخرى في تاريخ العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان ، وإنما تعبير عن فهم متطور لمعنى القوة في عالم سريع التغير ، قوة تقوم على تعدد الشراكات ، وتكامل القدرات ، وتبادل المصالح ، والاستعداد للمخاطر قبل وقوعها .
وقد يكون من المبكر الجزم بما ستؤول إليه هذه التجربة ، لكن التاريخ يعلّمنا أن بعض التحولات الكبرى تبدأ بخطوات تبدو محدودة في لحظتها ، ثم تكشف السنوات أنها كانت تؤسس لمرحلة مختلفة .
ولهذا فإن ما جرى في مكة يستحق أن يُقرأ ليس باعتباره اتفاقا بين ثلاث دول إسلامية فحسب ، وإنما باعتباره محاولة لبناء مساحة جديدة في النظام الأمني الإقليمي ، مساحة تقوم على توازن أكثر ذكاء ، وشراكات أكثر اتساعا ، وقدرة أكبر على منع الأزمات قبل تحولها إلى حروب .
ففي زمن تتغير فيه خرائط القوة ، لم تعد الدولة الأقوى هي التي تمتلك السلاح الأكثر فقط ، وإنما التي تعرف كيف تحول علاقاتها إلى قوة ، ومصالحها إلى شراكات ، وشراكاتها إلى قدرة على حماية المستقبل .
من مكة اليوم ، تبدو السعودية وكأنها توجه رسالة أبعد من مجرد توقيع اتفاق : إن أمن المستقبل لا يُرتقب و لا يُنتظر … بل يُبنى انطلاقا من هذه اللحظة تحديدا .

