تونس 27°C

23 جوان 2026

تونس 38°C

23 جوان 2026

ليس المطلوب أن تجد السعودية مبابي اليوم … بل أن تصنع عشرات النجوم غدا .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

يتكرر السؤال كثيرا في النقاشات الرياضية العربية كلما ظهر نجم شاب يخطف الأضواء في كرة القدم العالمية : لماذا لم تُنتج السعودية بعد لاعبا بحجم كيليان مبابي ؟ .
سؤال يبدو منطقيا للوهلة الأولى ، لكنه يحمل في داخله استعجالا للحكم على مشروع رياضي لا يزال في مرحلة البناء والتشكل . فصناعة النجم العالمي ليست قرارا سريعا ولا نتيجة استثمار قصير المدى ، بل هي ثمرة منظومة متكاملة تحتاج إلى سنوات من العمل والتراكم .
خلال العقد الأخير ، شهدت الرياضة السعودية تحولا غير مسبوق .
لم يعد الأمر يتعلق بمجرد تطوير منافسة محلية ، بل بإعادة بناء المشهد الرياضي بالكامل : منشآت حديثة ، بنية تحتية متطورة ، احتراف أعلى ، استقطاب للخبرات العالمية ، ونجاح في جعل الدوري السعودي محط أنظار الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم .
هذه التحولات لم تكن مجرد مظاهر إعلامية ، بل كانت خطوات تأسيسية لوضع الرياضة السعودية على خريطة المنافسة الدولية .
لكن هناك حقيقة أساسية يجب إدراكها : بناء دوري قوي لا يعني تلقائيا إنتاج لاعب عالمي . فرفع مستوى المسابقة يمكن أن يحدث بسرعة نسبية عندما تتوفر الموارد والإدارة والرؤية ، أما صناعة المواهب فهي عملية أعمق بكثير ، لأنها مرتبطة بتكوين الإنسان الرياضي منذ الطفولة ، وبالتدريب والتأطير والبيئة التنافسية .
مبابي نفسه لم يظهر فجأة . لقد كان نتيجة سنوات طويلة من العمل داخل منظومة اكتشفت موهبته مبكرا ، ووفرت له التكوين الصحيح ، والاحتكاك المستمر ، والتطوير التدريجي حتى أصبح واحدا من أبرز نجوم كرة القدم في العالم .
وهكذا كان حال معظم الأساطير الكروية عبر التاريخ . خلف كل نجم كبير توجد أكاديميات ، ومدارس تكوين ، ومدربون ، ومؤسسات تعمل بصمت لسنوات قبل أن يصل اللاعب إلى دائرة الضوء .
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس : أين هو مبابي السعودي الآن؟ .
بل ، هل تسير السعودية في الطريق الذي يجعل ظهور نجم سعودي عالمي أمرا ممكنا في المستقبل؟.
المؤشرات تقول إن الرهان يتجه نحو بناء منظومة لا تبحث عن نجم واحد ، بل عن أجيال كاملة .
فالهدف ليس صناعة لحظة استثنائية ، وإنما إنشاء قاعدة واسعة من المواهب تبدأ من مراكز التكوين والأكاديميات ، مرورا بالأندية ، وصولا إلى المنتخبات الوطنية .
الدول التي صنعت تاريخها الكروي لم تعتمد على لاعب واحد مهما كان عظيما ، بل على أنظمة قادرة على إنتاج المواهب جيلا بعد جيل .
فالبرازيل وإسبانيا وفرنسا وألمانيا لم تصل إلى القمة بسبب موهبة فردية فقط ، بل بسبب مؤسسات رياضية تعرف كيف تكتشف وتصقل وتطور .
ومن هنا فإن قوة المشروع الرياضي السعودي لا تُقاس بعدد النجوم الذين ظهروا حتى الآن ، بل بقدرته على خلق البيئة التي ستنتج هؤلاء النجوم مستقبلا .
فالاستثمار في الملاعب والأندية والمسابقات هو بناء للواجهة ، أما الاستثمار في اللاعب السعودي فهو بناء للمستقبل .
وعندما تكتمل هذه الدورة ، لن يكون ظهور لاعب سعودي قادر على المنافسة في أعلى المستويات العالمية مفاجأة ، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التخطيط والعمل .
النجوم لا يولدون من الأمنيات ، بل من المشاريع الكبرى . والسعودية لا تحتاج إلى نسخة من مبابي أو غيره ، ما تحتاجه هو صناعة جيل يحمل هويتها الكروية الخاصة ، ويقدم للعالم أسماء سعودية جديدة .
وعندما يكتمل هذا المسار ، لن يكون السؤال : لماذا لا تملك السعودية مبابي؟
بل سيكون السؤال : كم نجما عالميا تستطيع هذه المنظومة أن تصنعه ؟ .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية