تونس 33°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

إيران … قوة الصواريخ وحدود القوة .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في الحروب الحديثة لم يعد عدد الجنود أو ضخامة الجيوش كافيين لحسم المعارك . ميزان القوة يُرسم اليوم في السماء : بالصواريخ، والطائرات ، ومنظومات الدفاع الجوي .
من هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة موقع إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، حيث تكشف الأرقام مفارقة لافتة بين حجم القوة العسكرية الإيرانية وحدود قدرتها الفعلية على الحسم .
وفق مؤشر ” غلوبال فاير باور ” الذي يصنف الجيوش بحسب قدراتها العسكرية وقوتها النارية ، تحتل إيران المرتبة السادسة عشرة عالميا. وهو ترتيب يعكس امتلاكها قوة عسكرية معتبرة ، لكنها لا تضعها ضمن القوى العظمى القادرة على فرض تفوق مطلق في ساحات القتال .
تمتلك طهران بنية عسكرية ضخمة قوامها نحو 610 آلاف عسكري نظامي، من بينهم حوالي 190 ألفًا في الحرس الثوري ، القوة التي تشكل العمود الفقري للنفوذ العسكري الإيراني داخل البلاد وخارجها .
وإلى جانب هذه القوات تقف ميليشيا الباسبج التي تضم نحو 640 ألف عنصر ، ما يرفع القدرة الإجمالية على التعبئة إلى أكثر من مليون مقاتل.
هذا الثقل البشري يمنح إيران قدرة كبيرة على خوض الحروب التقليدية طويلة الأمد.
كما تمتلك نحو 1500 دبابة قتال . غير أن هذه القوة البرية تبدو محدودة التأثير في الصراع الحالي، لأن الحروب الحديثة لا تُحسم على الأرض بقدر ما تُدار من السماء .
فالمعركة اليوم هي معركة صواريخ وطائرات مسيّرة قبل أن تكون مواجهة جيوش تقليدية .
وهنا تحديدًا يظهر الضعف النسبي لإيران. فالقوة الجوية الإيرانية محدودة، إذ لا تمتلك سوى نحو 250 طائرة مقاتلة، يعود معظمها إلى ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979.
هذا النقص البنيوي في سلاح الجو دفع طهران، منذ سنوات، إلى الاستثمار المكثف في سلاح بديل : الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وبالفعل، نجحت إيران في بناء واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ في الشرق الأوسط . فوفق تقديرات نقلتها صحيفة ” فايننشال تايمز ” عن مصادر استخباراتية إسرائيلية، كان لدى إيران في بداية النزاع نحو 2500 صاروخ باليستي ، بعضها قادر على إصابة أهداف على مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر.
وإلى جانب هذه الترسانة تمتلك طهران ما يقارب 80 ألف طائرة مسيّرة ، من بينها الطائرات الانتحارية من طراز ” شاهد ” التي أصبحت أداة مركزية في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية.
هذا الخيار لم يكن وليد الصدفة ، بل نتيجة حسابات استراتيجية واضحة.
فإيران، التي تعاني منذ سنوات من العقوبات الدولية والقيود المالية، وجدت في الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة وسيلة فعالة لتعويض ضعفها الجوي.
فهذه الأنظمة أرخص بكثير من الطائرات المقاتلة الحديثة ، ويمكن إنتاجها بأعداد كبيرة ونشرها من مواقع متعددة يصعب استهدافها بالكامل.
غير أن لهذه الاستراتيجية حدودها أيضًا . فالحرب لا تُقاس فقط بامتلاك السلاح، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على مخزونها واستمرار إنتاجه تحت الضغط .
ومع تصاعد الضربات التي تستهدف مصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة ، تبرز معضلة الاستنزاف.
تشير التقديرات إلى أن إيران أطلقت خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب أكثر من 750 صاروخًا، أي ما يقارب ثلث مخزونها الباليستي. لكن التحدي الأكبر لا يتعلق بعدد الصواريخ فحسب، بل بمنصات إطلاقها، فهي التي تحوّل الترسانة النظرية إلى قوة فعلية في ساحة المعركة .
تشير المعطيات إلى أن نحو 300 منصة إطلاق قد دُمِّرت ، أي ما يقارب 75% من القدرة التشغيلية الإيرانية في هذا المجال . وإذا تأكدت هذه الأرقام، فإن المشكلة لن تكون في عدد الصواريخ المتبقية بقدر ما ستكون في القدرة على استخدامها .
في المقابل، تحاول طهران إدارة مخزونها العسكري بحذر أكبر ، عبر تقليص وتيرة إطلاق الصواريخ بعيدة المدى والاعتماد بشكل أكبر على الصواريخ القصيرة والطائرات المسيّرة. ويهدف هذا الأسلوب إلى تحقيق معادلة مزدوجة : إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار بالخصوم، وفي الوقت نفسه استنزاف منظومات الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية عبر موجات متتالية من الطائرات الانتحارية منخفضة الكلفة .
هذه المقاربة تعكس بوضوح أن القيادة الإيرانية لا تستعد لمعركة خاطفة، بل لحرب طويلة النفس .
فالصواريخ الأكثر تطورًا يجري الاحتفاظ بها لمرحلة لاحقة، بينما تُستخدم الأسلحة الأرخص لإطالة أمد المواجهة واستنزاف الخصم تدريجيا.
ومع ذلك تبقى الصورة مركبة. فمن جهة، تُظهر الضربات التي استهدفت منصات الإطلاق والسفن العسكرية — حيث تضررت أو غرقت نحو ثلاثين سفينة — أن إيران تتعرض لضغط عسكري كبير. ومن جهة أخرى يرى بعض الخبراء أن قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة قد تمنحها هامشًا لمواصلة الرد لفترة طويلة نسبيا .
وهكذا تكشف الحرب عن معادلة دقيقة : إيران ليست قوة عسكرية هشة كما يتصور البعض، لكنها أيضًا ليست قوة قادرة على حسم الصراع بسرعة. إنها قوة صاروخية كبيرة، لكنها محكومة بقيود الإنتاج والاستنزاف، وبضعف نسبي في سلاح الجو .
وفي هذا التوازن الحساس بين القدرة والحدود تتشكل ملامح الصراع الحالي : حرب طويلة تُدار في السماء أكثر مما تُدار على الأرض، وتُقاس نتائجها ليس بعدد الجنود، بل بقدرة كل طرف على الصمود في فضاء مزدحم بالصواريخ والطائرات المسيّرة .

اقرأ أيضاً

1 Comment

  • شكرا على الإضافة في تحليلك للحرب الدائرة في إيران شكرا على الإفادة خلصتي كل شيء على الترسانة العسكرية لإيران أتيت على كل كبيرة وصغيرة في ما يخص ميزان القوى بين الطرفين اتمنى ان تنتهي الحرب ويعم السلم كل العالم لان الحروب لم تعطي اي نتائج على مر الزمان والمكان

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية