ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
في السياسة ، لا تُقاس عادة الهزائم فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار ، بل بحجم الأوهام التي تنهار لحظة الاصطدام بالواقع .
ما تعيشه إيران اليوم ليس مجرد أزمة تفاوضية عابرة ، بل سقوط سردية كاملة بُنيت طوال عقود على الضجيج الثوري ، والشعارات النارية ، واستعراض القوة ، فيما كانت شعوب المنطقة تدفع الثمن من أمنها واستقرارها وتنميتها ومستقبل أجيالها .
“ الإغاثة و الإنقاذ مقابل الأداء ”… ليس مجرد عنوان لاتفاق سياسي ، بل عنوان لمرحلة كاملة من الانكسار الإيراني .
فالدولة التي رفعت راية “ المقاومة ” لعقود، وقدّمت نفسها باعتبارها القوة التي لا تُهزم ، تجد نفسها اليوم مضطرة لتقديم التنازل تلو الآخر تحت ضغط الهزيمة و العزلة والإنهاك والخوف من الانفجار الكبير .
حين تقبل طهران بالتخلي عن جوهر مشروعها النووي ، وتسليم كل أوراقها البحرية ، وكبح أذرعها الإقليمية ، مقابل مجرد “ إنقاذ و إغاثة ” اقتصادية مؤقتة ، فإننا لا نكون أمام تفاوض بين قوتين متكافئتين ، بل أمام اعتراف قاسٍ بأن زمن الغطرسة و التمدد قد انتهى ، وأن مشروع إخضاع المنطقة عبر الميليشيات الإرهابية والفوضى وصل نهايته و إلى حائط مسدود .
لقد أرادت إيران لعقود أن تحكم المنطقة بالخوف .
صنعت من التدخل في شؤون الدول و الشعوب و من الفوضى عقيدة ، ومن التهديد وسيلة نفوذ ، ومن الميليشيات و الحرس الثوري أداة ابتزاز سياسي .
من بغداد إلى بيروت ، ومن دمشق إلى صنعاء ، لم يكن مشروعها مشروع تنمية أو استقرار ، بل مشروع تدخل سافر و إنهاك للدول وتعطيل لمسارات الشعوب وإغراق المنطقة في الحروب والانقسامات .
لكن التاريخ أثبت مرة أخرى أن الضجيج لا يهزم الحكمة ، وأن الدول التي تبني مؤسساتها واقتصادها واستقرارها تنتصر في النهاية على الدول التي تعيش على خطاب التعبئة والغوغاء .
وهنا يظهر الفارق العميق بين نموذجين متناقضين في المنطقة : نموذج اختار الاستثمار في الإنسان والتنمية والانفتاح والعقلانية ، تقوده اليوم دول الخليج بقيادات أثبتت حكمة و قدرة استثنائية على قراءة التحولات الدولية وبناء شراكات استراتيجية وتحويل بلدانها إلى مراكز اقتصادية عالمية ، ونموذج آخر عاش على عقيدة متسلطة و بقي أسير عقلية الثورة الدائمة ، يستهلك موارده في الصراعات والشعارات والتوسع العدائي حتى انتهى محاصرا بأزماته الداخلية والخارجية .
لقد انتصرت الحكمة الخليجية لأنّها فهمت أن قوة الدول لا تُبنى بالمغامرات العسكرية ولا بالشعارات العقائدية ، بل بالعمل و الإنجاز ، و بالاقتصاد ، والاستقرار، والتعليم، والتكنولوجيا، والانفتاح على العالم .
بينما خسرت إيران لأنها اعتقدت أن بإمكانها إرهاب المنطقة إلى الأبد ، وأن الخوف يمكن أن يتحول إلى مشروع دائم للهيمنة .
وإذا كانت عملية السابع من أكتوبر قد كشفت كيف يمكن للاندفاع الأيديولوجي و العقائدي المتطرف ، والجنون السياسي أن يقود إلى كوارث إنسانية واستراتيجية مدمرة ، فإن ما يحدث اليوم مع إيران يكشف المصير نفسه لمشروع قام على التصلب والغطرسة ورفض منطق الدولة الطبيعية .
فالمنطقة التي عاشت سنوات طويلة تحت تهديد الصواريخ والميليشيات والتوتر الدائم، ترى اليوم بداية نهاية مرحلة كاملة من الابتزاز السياسي والعسكري .
وما يجري ليس مجرد تراجع تكتيكي إيراني ، بل انهيار تدريجي لفكرة أن الفوضى يمكن أن تصبح نظاما دائما للحكم والنفوذ .
إنه انتصار تاريخي لدول اختارت العقل بدل المغامرة ، والتنمية بدل الخراب ، والاستقرار بدل الفوضى .
وانتصار لشعوب المنطقة التي تستحق أخيراً أن تعيش بعيدا عن الحروب العبثية والمشاريع العابرة للحدود.
قد توقّع إيران الاتفاق بعد يوم او يومين ، لكن الحقيقة الأعمق أن ما يُوقَّع فعلياً هو نهاية حقبة كاملة من الوهم السياسي ، وسقوط مشروع أرعب المنطقة طويلا قبل أن يسقط تحت ثقل تناقضاته.



