تونس 24°C

24 ماي 2026

تونس 38°C

24 ماي 2026

المغرب حين ينتصر بالقلب… والعفو الذي أعاد للسياسة إنسانيتها .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في عالمٍ يزداد قسوةً كل يوم ، وتتحول فيه السياسة أحيانًا إلى لغة باردة لا تعرف سوى الحسابات والمصالح ، تأتي بعض المواقف لتعيد التذكير بأن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة ونفوذ ، بل كذلك بما تختزنه من إنسانية و رحمة .
من هذا الباب ، حملت مبادرة العفو الملكي التي أعلنها الملك محمد السادس تجاه المشجعين السنغاليين المحكوم عليهم ، رسالة أعمق بكثير من مجرد قرار قانوني أو إجراء بروتوكولي .
لقد كانت لحظة أخلاقية وإنسانية بامتياز ، أعادت للسياسة بعدها النبيل ، وللعلاقات بين الشعوب دفئها الحقيقي .
فحين اختار العاهل المغربي الملك محمد السادس ، بمناسبة عيد الأضحى المبارك ، أن يفتح باب الرحمة أمام هؤلاء المشجعين ، لم يكن يخاطب السنغال فقط ، بل كان يخاطب إفريقيا كلها بلغة المحبة و التسامح والكرم والرأفة .
كانت رسالة أب لابنائه ، رسالة تقول إن المغرب لا يرى في الأشقاء الأفارقة مجرد حلفاء ظرفيين أو شركاء مصالح ، بل امتدادا إنسانيا وتاريخيا وروحيا لعلاقة ضاربة في عمق الوجدان الإفريقي .
لقد أثبت المغرب مرة أخرى أن القوة الحقيقية ليست في التشدد ، بل في القدرة على التسامح حين يكون التسامح عنوانا للهيبة والرقي الحضاري .
فالعفو في زمن التوترات والانقسامات ليس ضعفًا ، بل شجاعة أخلاقية لا تمتلكها إلا الدول الواثقة من نفسها ، والمؤمنة برسالتها الإنسانية .
ولم يكن اختيار السنغال عبثيا ، فالعلاقة بين الرباط وداكار ظلت دائما نموذجا استثنائيا للأخوة الصادقة بين بلدين جمعتهما الروابط الدينية والثقافية والسياسية عبر عقود طويلة . لذلك بدا هذا القرار وكأنه امتداد طبيعي لذاكرة مشتركة من المحبة والتقدير المتبادل بين الشعبين المغربي والسنغالي .
كما أن توقيت المبادرة ، المتزامن مع عيد الأضحى المبارك ، منحها بعدًا روحانيًا قويا مؤثرًا.
ففي مثل هذه المناسبة التي ترمز للعفو والتضحية والتسامح، اختار المغرب أن يقدم صورة مختلفة عن معنى الدولة: دولة قوية بقانونها، لكنها عظيمة بإنسانيتها. دولة لا تنسى أن خلف كل خطأ إنسانًا، وخلف كل عقوبة فرصةً جديدة للصفح ولمّ الشمل.
إن هذا العفو الملكي لم يكن مجرد حدث عابر ، بل لحظة رمزية تختصر جانبًا من الهوية المغربية القائمة على الرحمة والكرم والانفتاح . وهي قيم جعلت المغرب ، عبر تاريخه ، بلدًا قادرًا على بناء الجسور بدل الجدران، وعلى الانتصار للمحبة بدل الأحقاد .
في عالم تتصاعد فيه خطابات الكراهية والانغلاق ، اختار المغرب أن يرسل إلى إفريقيا والعالم رسالة مختلفة : أن الإنسانية تظل دائمًا أسمى من الغضب ، وأن العفو قد يكون أحيانًا أعظم انتصار يمكن أن تحققه دولة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية