من يصنع قدوة الشباب ؟ حين تتراجع رموز الوطن أمام نجوم الشهرة العابرة .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ماذا تقول المدن لأبنائها من خلال الوجوه التي تملأ شوارعها وساحاتها و فضاءاتها العامة؟ وأي صورة عن النجاح تتشكل في أذهان الأجيال الصاعدة حين تتصدر وجوه مشاهير المنصات الرقمية المشهد ، بينما تغيب عنه صور العلماء والمفكرين والمبدعين والشخصيات الوطنية التي صنعت إنجازات تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية؟ .
ليس السؤال متعلقا بالصور وحدها ، بل بمن نختار أن نمنحه مكانة القدوة في عيون أبنائنا، وبالقيم التي نريد أن نغرسها في نفوسهم.
ومن هنا تكتسب مبادرة صينية تقوم على عرض صور العلماء والتعريف بإسهاماتهم في الفضاءات العامة أهمية تتجاوز حدود التكريم، لتفتح نقاشًا عميقًا حول التربية الوطنية، وصناعة الوعي، ودور المجتمع في توجيه طموحات الأجيال الجديدة .
حين تمنح مدينة علماءها ومبدعيها مكانًا في شوارعها وساحاتها، فإنها لا تستحضر الماضي فحسب، بل تقدم لأبنائها دروسًا يومية في معنى النجاح الحقيقي .
إنها تقول لهم إن العظمة لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بما تحققه الشهرة من انتشار سريع، وإنما بما يقدمه الإنسان من معرفة، وما يبذله من جهد، وما يتركه من أثر في حياة الناس ومسيرة وطنه.
فالعالم الذي يفتح أمام البشرية آفاقًا جديدة ، والمفكر الذي يوقظ العقول، والمبدع الذي يضيف إلى رصيد الإنسانية، جميعهم يستحقون أن تكون سيرهم جزءًا من المشهد اليومي للأجيال .
فالقدوة ليست تفصيلا ثانويا في بناء الشخصية، بل هي أحد العوامل التي تشكل الوعي وتحدد اتجاهات الطموح .
والشباب لا يتعلمون من الكتب والمدارس وحدها ، وإنما يتأثرون أيضًا بما يشاهدونه ، وبالشخصيات التي يسلط المجتمع عليها الضوء، وبالأسماء التي يمنحها التقدير والاحتفاء .
وحين يتعرف الشاب إلى عالم أفنى سنوات عمره في البحث، أو مفكر أسهم في نهضة مجتمعه، أو شخصية وطنية جعلت خدمة الناس غايتها، فإنه يدرك أن النجاح ليس ضربة حظ، ولا شهرة تُختصر في لحظة، بل مسار طويل من الاجتهاد والصبر والإبداع والمسؤولية.
غير أن عصر المنصات الرقمية فرض معادلة جديدة في صناعة النجومية والتأثير .
فقد أصبحت بعض الوجوه قادرة على الوصول إلى ملايين الشباب في وقت قياسي، وأضحت تفاصيل الحياة الخاصة ومظاهر الثراء والاستهلاك مادة يومية تستقطب المشاهدات وتغري بالتقليد .
وفي خضم هذا التدفق الهائل من الصور والرسائل، قد يتراجع حضور المعرفة والعمل الجاد أمام بريق الشهرة السريعة ، وقد يترسخ لدى بعض الناشئة انطباع بأن الطريق الأقصر إلى النجاح هو جذب الانتباه، لا امتلاك المعرفة أو تطوير المهارات أو تقديم ما ينفع المجتمع .
لكن الإنصاف يقتضي ألا نضع جميع المؤثرين في سلة واحدة، أو ننظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره خطرًا في حد ذاته.
فبين صانعي المحتوى من ينشر المعرفة، ويدعم المبادرات الإنسانية، ويشجع على القراءة والتعلم، ويفتح أمام الشباب نوافذ جديدة للإبداع والتعبير. كما أن المنصات الرقمية يمكن أن تتحول إلى أدوات فاعلة لنشر الثقافة والتعريف بالرموز الوطنية، إذا أحسن توظيفها.
المشكلة، إذن، ليست في الشهرة، بل في تحويلها إلى معيار وحيد للقيمة ، وليست في متابعة الآخرين، بل في أن تتحول المتابعة إلى تبعية، والإعجاب إلى تقليد أعمى، والمظهر إلى بديل عن المضمون.
فالشهرة قد تصنع حضورًا واسعًا، لكنها لا تصنع بالضرورة قيمة مستدامة، وعدد المتابعين قد يعكس قدرة على الانتشار، لكنه لا يكفي للحكم على مكانة الإنسان أو أثره في مجتمعه .
ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار إلى العلماء والمفكرين والمبدعين والرموز الوطنية ليست دعوة إلى إقصاء الوجوه الجديدة، ولا حنينًا إلى زمن مضى، بل هي حاجة ثقافية وتربوية تفرضها التحولات العميقة التي طرأت على مصادر التأثير في الأجيال الصاعدة.
فالمجتمع الذي لا يعرّف أبناءه بمن أسهموا في بناء نهضته، ولا يروي لهم قصص الإنجازات التي صنعت تاريخه، يترك فراغًا قد تملؤه نماذج عابرة لا تمنحهم بالضرورة ما يحتاجون إليه من معانٍ وقيم واتجاهات.
ولا يكفي في هذا السياق أن نرفع الشعارات عن حب الوطن، أو أن نطالب الشباب بالاعتزاز بهويتهم، ما لم نضع أمامهم نماذج حية تجسد هذه القيم.
فالانتماء لا ينمو في الفراغ، بل يتغذى من معرفة التاريخ، وتقدير الإنجازات، والإحساس بأن الوطن لم يكن مجرد حدود جغرافية، وإنما هو حصيلة عقول عملت، وأيدٍ بنت، وأجيال آمنت بأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع.
وهنا تستطيع المدن العربية أن تحول الفكرة إلى ممارسة ملموسة، من خلال التعريف بعلمائها ومفكريها وأطبائها ومهندسيها وأدبائها ومبدعيها في محطات النقل والساحات العامة والمؤسسات التعليمية والثقافية. ويمكن أن تتجاوز هذه المبادرات مجرد تعليق الصور، فتقدم نبذات موجزة عن أصحابها، وتكشف قصص كفاحهم، وتشرح إنجازاتهم بلغة بسيطة وجذابة، وربما توظف الوسائط الرقمية والتقنيات التفاعلية لربط الشباب بهذه الشخصيات بطريقة أقرب إلى اهتماماتهم.
كما تستطيع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أن تؤدي دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل خريطة القدوة، من خلال تقديم سير العلماء والمبدعين في قوالب حديثة، وإبراز الجوانب الإنسانية في حياتهم، والتعريف بالعقبات التي تجاوزوها قبل تحقيق النجاح. فليس المطلوب أن نضع العلماء في صور جامدة أو نقدمهم بوصفهم أسماء بعيدة عن الحياة، بل أن نعيد اكتشافهم كبشر حلموا واجتهدوا وأخفقوا أحيانًا ثم واصلوا الطريق حتى تركوا أثرًا يستحق أن يُروى.
وتظل الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية شركاء أساسيين في هذه المهمة. فمسؤوليتها لا تقتصر على تحذير الشباب من النماذج السلبية، بل تشمل أيضًا تقديم البدائل الملهمة، وتنمية قدرتهم على التفكير النقدي، ومساعدتهم على التمييز بين من يستحق الإعجاب بما يقدمه، ومن يكتفي بإتقان فن استقطاب الانتباه.
فالشاب الذي يجد أمامه نماذج متنوعة للنجاح، ويتعلم كيف يقيّمها بوعي، يصبح أكثر قدرة على اختيار طريقه، وأقل عرضة للانبهار بكل ما يلمع.
إن السؤال الذي تطرحه المبادرة الصينية جدير بأن يتحول إلى سؤال عربي واسع: من نختار أن نضعه أمام أبنائنا بوصفه نموذجًا للنجاح؟ وهل نريد جيلًا يقيس مكانته بمقدار ما يحظى به من اهتمام، أم جيلًا يؤمن بأن القيمة الحقيقية تكمن فيما يتعلمه وينجزه ويقدمه للآخرين؟ .
إن المسألة في جوهرها تتعلق بنوع الإنسان الذي نريد أن نبنيه، وبطبيعة المستقبل الذي نطمح إليه.
فالأوطان التي تحتفي بالعلم والمعرفة والعمل والإبداع تفتح أمام شبابها أفقًا يتجاوز الاستهلاك والتقليد، وتمنحهم فرصة للإيمان بأنهم قادرون على صناعة إنجازاتهم، لا الاكتفاء بمراقبة نجاحات الآخرين.
كما انها لا تحتاج إلى أن تمنح رموزها مكانًا على الجدران فحسب، بل إلى أن تمنحهم مكانًا في عقول أبنائها ووجدانهم. ولا يكفي أن نطالب الشباب بصناعة المستقبل إذا لم نضع أمامهم نماذج تلهمهم وتدلهم على الطريق.
في النهاية ، ليست القضية مَن يظهر أكثر، بل مَن يستحق أن يبقى أثره أطول. فالشهرة قد تملأ الشاشات اليوم، لكن العلم والإبداع والعمل الصادق هي التي تصنع ذاكرة الأوطان وغدها. والجيل الذي يعرف رموزه، ويفهم قيمة إنجازاتهم، ويدرك أن النجاح مسؤولية قبل أن يكون مظهرًا، هو الأقدر على أن يواصل البناء ويصنع مستقبلًا يليق بوطنه .
