فرنسا وشبابها الغاضب … أزمة ثقة تهدد التوازن السياسي والاجتماعي .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد احتجاجات الشباب في فرنسا مجرد تحركات مطلبية مرتبطة بظروف الدراسة أو صعوبات العمل ، بل باتت تعبيرًا عن أزمة أعمق تكشف اتساع الفجوة بين تطلعات الأجيال الجديدة وقدرة المؤسسات على الاستجابة لمخاوفها .
فصعوبة الحصول على عمل وسكن ، وتراجع فرص الاستقلال المالي ، والقلق من مستقبل مهني غير مضمون، عوامل تغذي شعورًا متزايدًا بانسداد الأفق .
ولم يعد هذا القلق حكرًا على الشباب، بل امتد إلى أسرهم، ليعكس أزمة اجتماعية تتجاوز أسوار المدارس والجامعات .
وبحسب الاستطلاع الانتخابي الفرنسي الذي أجرته مؤسسة إبسوس BVA-CESI، يطالب 71% من الفرنسيين، بتغيير سياسي واجتماعي حقيقي، فيما يتوقع 76% تدهور أوضاع التشغيل، ويعبّر 91% عن تشاؤمهم إزاء الوضع الاقتصادي . وهي مؤشرات تعكس تراجع الثقة في قدرة السياسات القائمة على توفير الاستقرار والاستجابة للتطلعات الاجتماعية .
ولم يعد الاستياء مقتصرا على الاحتجاج، بل انعكس على الخيارات السياسية للشباب، مع تنامي التأييد للقوى الموجودة على طرفي المشهد الحزبي.
ويستفيد حزب فرنسا الأبية بزعامة جان لوك ميلانشون من خيبة الأمل في اليسار التقليدي، بينما يستقطب حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان شرائح تواجه الهشاشة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.
ويكشف هذا التوجه عن مأزق الأحزاب التقليدية : حين تعجز عن تقديم إجابات ملموسة عن مشكلات المواطنين، تفسح المجال أمام القوى الأكثر راديكالية لتقديم نفسها بديلًا للتغيير .
لكن اختلاف دوافع الشباب وخياراتهم لا يحجب القاسم المشترك بينهم ، وهو رفض واقع لم يعد كثيرون يرون فيه ضمانا لمستقبل أفضل .
وتكمن الخطورة في أن يتحول التنافس السياسي إلى استقطاب حاد يهدد ثقافة الحوار واحترام التعددية، وهما من ركائز الديمقراطية .
ويأتي التعليم في صميم هذه الأزمة. فالمدرسة الجمهورية الفرنسية قامت تاريخيا على وعد تكافؤ الفرص ، لكن تراجع الأداء التعليمي واتساع الفوارق والشعور بعدم الإنصاف في التوجيه الجامعي تضعف الثقة بهذا الوعد .
وتزيد التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي من المخاوف بشأن المهن المستقبلية وفرص الاندماج في سوق العمل ، ما يجعل الشباب أمام تحديات لا تتعلق بحاضرهم فحسب ، بل بقدرتهم على تصور مستقبل مستقر .
ولا يحتاج الشباب إلى وعود عامة بقدر حاجتهم إلى سياسات تضمن تعليمًا أكثر إنصافا ، وفرص عمل حقيقية ، وإمكانات واقعية للاستقلال وبناء حياة كريمة .
فحين يشعر الفرد بأن الاجتهاد لم يعد يضمن تكافؤ الفرص، وأن المؤسسات لا تقدم حلولًا لمخاوفه ، يصبح فقدان الثقة نتيجة مفهومة ، وتغدو الخيارات السياسية الراديكالية أكثر قدرة على استقطابه .
كما أن اتساع التعاطف العائلي مع الاحتجاجات يمنحها بعدا اجتماعيا أوسع ، ويؤكد أن مطالب الشباب تتقاطع مع مخاوف المجتمع بأسره .
غير أن تفهم أسباب الغضب لا يعني تبرير العنف ، بل يقتضي معالجة جذوره ، وحماية الحق في الاحتجاج السلمي ، وفتح قنوات جدية للحوار بدل الاكتفاء بالتعامل مع مظاهره .
إن ما تكشفه الحالة الفرنسية ليس أزمة شباب متمرد فحسب ، بل أزمة ثقة في قدرة النظام السياسي والاجتماعي على تجديد نفسه. ومسؤولية الدولة والأحزاب لا تكمن في احتواء الاحتجاجات مؤقتا أو استثمارها انتخابيا ، وإنما في معالجة أسبابها وإعادة الاعتبار إلى العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص .
فالديمقراطية لا تُقاس بانتظام الانتخابات وحده ، بل أيضًا بقدرتها على إقناع الأجيال الجديدة بأن صوتها مسموع ، وأن مستقبلها قابل للبناء، وأن التغيير ممكن عبر المؤسسات .
وحين يتراجع هذا الإيمان ، يصبح غضب الشباب إنذارًا يتجاوز الشارع إلى مستقبل المجتمع بأسره ، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يرفع الشباب أصواتهم ، بل في أن تصل بهم خيبات الأمل إلى الاقتناع بأن لا أحد يصغي إليهم .
