38°C تونس
21/10/2026
فرنسا وتشاد … من القطيعة الى التقارب : ماذا تغيّر خلف الكواليس؟ .
أراء وأفكار

فرنسا وتشاد … من القطيعة الى التقارب : ماذا تغيّر خلف الكواليس؟ .

أكتوبر 21, 2026

بقلم : وزيفة الطرابلسي
قنصل عام تشاد بتونس .
مراسل صحفي في تونس .

بعد سنوات من التوتر والفتور ، تعود العلاقات الفرنسية التشادية إلى واجهة التساؤلات الدبلوماسية ، وسط حديث عن احتمال فتح صفحة جديدة بين باريس ونجامينا.
وإذا تأكدت الزيارة التي أُعلن عن موعدها في 13 أكتوبر 2026، للرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو إلى باريس ولقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد مثلت محطة مهمة في مسار علاقات شهدت خلافات سياسية وانتهت بانسحاب القوات الفرنسية من تشاد .
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بالزيارة في حد ذاتها ، بل بما قد تعكسه من تحولات في حسابات الطرفين : كيف يمكن لبلدين بلغا مرحلة القطيعة العسكرية أن يعودا إلى التفكير في استئناف التعاون ؟ .
وهل نحن أمام مراجعة متبادلة للمواقف، أم أمام تقاطع جديد للمصالح فرضته التحولات الإقليمية والدولية ؟.
تظل هذه الأسئلة مفتوحة ، كما تظل تفاصيل الزيارة والاتفاقات المنسوبة إليها بحاجة إلى تأكيد من مصادر رسمية .
غير أن فهم خلفيات أي تقارب محتمل يقتضي العودة إلى جذور الأزمة ، واستحضار ما شهدته العلاقات بين البلدين من تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة .
من الشراكة التقليدية إلى أزمة الثقة :
لم تبدأ الخلافات الفرنسية التشادية مع إعلان إنهاء التعاون العسكري في نوفمبر 2024، بل سبقتها مرحلة تراكمت خلالها عوامل التوتر ، في ظل التحولات السياسية التي شهدتها تشاد، وتنامي النقاش حول السيادة الوطنية، ومستقبل الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا .
تولى محمد إدريس ديبي إتنو قيادة المرحلة الانتقالية في أبريل 2021، عقب وفاة والده الرئيس إدريس ديبي إتنو، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية رسميًا سنة 2024، إثر الانتخابات الرئاسية التي أعلنت السلطات التشادية فوزه بها، في حين شككت المعارضة في نتائجها .
وقد تزامنت هذه المرحلة مع تساؤلات بشأن مسار الانتقال السياسي ومستقبل المؤسسات التشادية ، ومع رغبة متزايدة لدى نجامينا في إعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس استقلال القرار الوطني .
وفي المقابل، واجهت فرنسا تحولات متسارعة في بيئتها الاستراتيجية الإفريقية ، بعدما تراجعت علاقاتها العسكرية مع عدد من دول منطقة الساحل .
ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، شهد الوجود العسكري الفرنسي انتكاسات متتالية، وإن اختلفت ظروفها ومساراتها من دولة إلى أخرى .
أما تشاد ، التي ظلت لسنوات شريكًا مهمًا لباريس في وسط إفريقيا ومنطقة الساحل، فقد اتجهت بدورها إلى مراجعة إطار تعاونها العسكري مع فرنسا .
ولم يكن هذا التحول مجرد خلاف تقني حول اتفاق عسكري ، بل عكس تغيرًا أوسع في طبيعة العلاقة بين دولة إفريقية تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي ، وقوة أوروبية اعتادت أن تحتل موقعًا محوريًا في ترتيبات الأمن الإقليمي .
شهادة شخصية عن رسالة إلى باريس .
في هذا السياق، أود أن أستحضر واقعة شخصية أعتقد أنها تساعد على فهم المناخ الذي أحاط بالعلاقات الفرنسية التشادية خلال تلك المرحلة.
فبحسب شهادتي، كُلّفت في تاريخ يحتاج إلى التحديد الدقيق من الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو بنقل رسالة إلى السلطات الفرنسية، تتعلق ببعض الهواجس السياسية التي كانت تشغل القيادة التشادية.
وقد تواصلت، في إطار هذه المهمة، مع كاترين كولونا، التي تولت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية بين مايو 2022 ويناير 2024. ويظل تحديد تاريخ هذا التواصل ضروريًا لتقديم الواقعة في سياقها الصحيح، ومعرفة الصفة التي كانت تشغلها كولونا حينها.
وكان من بين الموضوعات التي تناولتها الرسالة، وفق روايتي الشخصية، ما اعتبره الجانب التشادي آنذاك مخاوف بشأن موقف باريس من موسى فكي محمد، وزير الخارجية التشادي الأسبق والرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الإفريقي، الذي تولى رئاسة المفوضية بين عامي 2017 و2025.
وقد انصبّ مضمون الرسالة، بحسب شهادتي، على التنبيه إلى أن بعض المواقف أو المبادرات الفرنسية يمكن أن تُفهم في نجامينا باعتبارها تدخلًا في التوازنات السياسية الداخلية التشادية ، أو مساسًا بحرية القرار الوطني.
كما حملت الرسالة، وفق الرواية نفسها، تحذيرًا سياسيًا مفاده أن تشاد قد تعيد النظر بصورة جذرية في علاقاتها مع فرنسا إذا شعرت بأن مصالحها الأساسية وسيادتها الوطنية أصبحتا موضع تهديد .
ومن الضروري التوضيح أن تفاصيل هذه المهمة ومضمون الاتصالات المشار إليها لم تُدعّم هنا بوثائق رسمية أو تصريحات علنية مستقلة. ولذلك، فإنني أقدمها باعتبارها شهادة شخصية، لا باعتبارها واقعة دبلوماسية مثبتة بمصادر مستقلة.
ومع ذلك، فإن استحضار هذه الشهادة يسلط الضوء على طبيعة الإشكالات التي يمكن أن تتراكم خلف الأبواب المغلقة ، قبل أن تتحول الخلافات السياسية إلى قرارات رسمية تعيد رسم العلاقات بين الدول.
نوفمبر 2024… حين أصبحت القطيعة حقيقة .
في 28 نوفمبر 2024، أعلنت تشاد إنهاء اتفاق التعاون العسكري مع فرنسا، بالتزامن مع زيارة وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى نجامينا.
مثّل القرار منعطفًا حاسمًا في العلاقات بين البلدين، ووضع حدًا لإطار عسكري استمر لعقود، كانت فرنسا خلاله تعتمد على وجودها في تشاد ضمن ترتيباتها الأمنية في إفريقيا ومنطقة الساحل.
فقد شكّلت نجامينا إحدى نقاط الارتكاز المهمة للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة ، بالنظر إلى موقع تشاد الجغرافي وتشابك الأزمات الأمنية المحيطة بها.
لكن التحولات السياسية والاستراتيجية دفعت السلطات التشادية إلى إعادة النظر في هذا الوجود، في خطوة عكست رغبتها في إعادة تعريف شراكاتها وفق أولوياتها الوطنية.
واكتمل انسحاب القوات الفرنسية من تشاد في مطلع عام 2025، وفق الإعلانات الرسمية المتعلقة بإنهاء الوجود العسكري.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إنهاء التعاون العسكري بصيغته السابقة وبين قطع العلاقات بين الدولتين بصورة شاملة.
فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الثقافية ، كما أن إغلاق صفحة من التعاون الأمني لا يمنع ، من حيث المبدأ، البحث عن صيغ جديدة للشراكة.
وهنا تكمن المفارقة : ما بدا في لحظته قطيعة استراتيجية قد يتحول، إذا تغيرت الظروف وتقاطعت المصالح، إلى نقطة انطلاق لإعادة ترتيب العلاقة على أسس مختلفة.
لماذا قد تحتاج باريس ونجامينا إلى التقارب؟.
إن الحديث عن تقارب محتمل بين فرنسا و تشاد لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة مفترضة قبل تأكيد اللقاءات والاتفاقات المنسوبة إلى عام 2026. لكن من الممكن قراءة دوافع التقارب المحتمل في ضوء المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للطرفين .
بالنسبة إلى تشاد، تظل الأولوية مرتبطة بحماية السيادة الوطنية، وتعزيز الاستقرار، ودعم التنمية الاقتصادية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية.
فالبلاد تقع في محيط إقليمي مضطرب، تتداخل فيه تداعيات الأزمة السودانية مع التحديات الأمنية في منطقة الساحل، الأمر الذي يجعل تنويع العلاقات الخارجية خيارًا ذا أهمية استراتيجية.
ولا يعني هذا أن نجامينا مطالبة بالعودة إلى نمط علاقاتها السابق مع باريس ، بل إن من حقها البحث عن تعاون جديد يستجيب لأولوياتها، ويمنحها مساحة أوسع لاتخاذ القرار بعيدًا عن أي تبعية سياسية أو أمنية.
أما فرنسا، فقد تجد في الحفاظ على قنوات التواصل مع تشاد مصلحة دبلوماسية واستراتيجية ، في وقت تراجعت فيه قدرتها على المحافظة على أنماط حضورها العسكري التقليدي في أجزاء من إفريقيا.
وتظل لفرنسا إمكانات اقتصادية وتعليمية وتقنية ودبلوماسية يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون مع تشاد، شرط أن يقوم هذا التعاون على المصالح المتبادلة واحترام استقلال القرار التشادي.
ومن ثم، فإن أي تقارب محتمل لا يعني بالضرورة عودة القوات الفرنسية إلى مواقعها السابقة، أو استعادة الترتيبات العسكرية التي انتهت في 2025. فقد يتخذ التعاون الجديد شكل شراكات اقتصادية أو تعليمية أو تقنية، أو تعاون أمني محدود يخضع لشروط جديدة يتفق عليها الطرفان.
فالمرحلة المقبلة، إن تأكد الاتجاه نحو التقارب، لن تُقاس بمدى استعادة الماضي، بل بقدرة البلدين على بناء علاقة مختلفة تستوعب التحولات التي شهدتها إفريقيا.
عام 2026… بين الأنباء المتداولة والوقائع التي تنتظر التوثيق .
تتحدث الرواية التي يستند إليها هذا المقال عن لقاء محتمل بين الرئيسين الفرنسي والتشادي في باريس يوم 29 يناير 2026، وعن مساعٍ لتجديد الشراكة الاقتصادية والسياسية بين البلدين.
غير أن هذا اللقاء، وما يُنسب إليه من تصريحات بشأن بناء علاقة جديدة، يحتاج إلى التحقق من أرشيف الرئاسة الفرنسية والإليزيه، ورئاسة الجمهورية التشادية، ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، فضلًا عن وكالات الأنباء الموثوقة.
كما تتضمن الرواية إشارات إلى منتدى للأعمال الفرنسية التشادية قيل إنه انعقد في باريس يوم 25 سبتمبر 2026، وإلى مشاريع واتفاقات محتملة في قطاعات الصحة والطاقة والبنية التحتية والتعليم.
ولا يمكن التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها وقائع ثابتة قبل التحقق منها لدى الجهات المنظمة والمؤسسات الرسمية المعنية. فالتفريق بين ما أُعلن رسميًا وما يجري تداوله يظل شرطًا أساسيًا لأي قراءة جادة لمسار العلاقات الثنائية.
أما الحديث عن إعلان نوايا في مجال التعاون الدفاعي، قيل إنه ارتبط بلقاء 13 أكتوبر 2026، فيحتاج بدوره إلى وثيقة رسمية توضح مضمونه وطبيعته القانونية وحدود الالتزامات التي يتضمنها.
وحتى إذا ثبت توقيع مثل هذا الإعلان، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا العودة إلى الوجود العسكري الفرنسي السابق في تشاد.
فإعلان النوايا قد يحدد إطارًا للتعاون أو يعبّر عن توجه سياسي، لكنه لا يعادل بالضرورة اتفاقًا دفاعيًا ملزمًا أو اتفاقًا يسمح بتمركز القوات العسكرية.
ومن هنا، تبرز أهمية قراءة أي وثيقة جديدة وفق مضمونها الفعلي، لا وفق التأويلات التي قد تحيط بها.
ملف موسى فكي… أسئلة لم تجد أجوبتها بعد .
لا يزال ملف موسى فكي محمد، في حدود ما أستحضره من تجربتي الشخصية، مرتبطًا ببعض الهواجس التي طُرحت خلال المرحلة السابقة من العلاقات الفرنسية التشادية.
وهذا ما يدفعني إلى التساؤل عن الطريقة التي عالجت بها باريس ونجامينا خلافاتهما، وعن مدى استعداد كل طرف لإعادة النظر في مواقفه السابقة.
هل أعادت فرنسا تقييم بعض خياراتها السياسية في تعاملها مع تشاد؟ وهل حصلت القيادة التشادية على التوضيحات التي كانت تنتظرها؟ أم أن التحولات الإقليمية فرضت على الطرفين تغليب المصالح المشتركة، حتى من دون تسوية جميع الخلافات السابقة؟ .
لا تتوافر، في حدود المعلومات الموثقة هنا، معطيات كافية تسمح بتقديم إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة. كما لا يصح اعتبار المخاوف التي تضمنتها شهادتي دليلًا مستقلًا على وجود دعم فرنسي محدد لموسى فكي محمد أو على طبيعة الاتصالات التي جرت بشأنه.
لكن المؤكد أن العلاقات الفرنسية التشادية شهدت تحولًا كبيرًا منذ عام 2021، وبلغت إحدى أبرز محطاتها مع إعلان إنهاء التعاون العسكري في نوفمبر 2024، ثم اكتمال الانسحاب الفرنسي في مطلع العام التالي.
أما طبيعة أي تقارب جديد في عام 2026، وحدوده وأسبابه، فتبقى مسائل تستوجب التوثيق والتحليل بعيدًا عن الاستنتاجات المتسرعة.
علاقة جديدة… بأي شروط ؟.
إذا تأكد اتجاه باريس ونجامينا إلى إعادة بناء علاقاتهما، فإن نجاح هذه الخطوة لن يتوقف على الزيارات الرسمية أو الصور البروتوكولية أو البيانات المشتركة، بل على طبيعة الالتزامات التي ستترجم هذا التوجه إلى واقع.
فالثقة بين الدول لا تُستعاد بالمصافحات وحدها، وإنما تُبنى عبر الحوار المستمر، والوضوح في تحديد المصالح، واحترام التعهدات، والاعتراف بحق كل دولة في رسم خياراتها السيادية.
لقد تغيرت إفريقيا، وتغيرت معها نظرة عدد متزايد من دولها إلى الشراكات الدولية. ولم يعد من الممكن التعامل مع القارة وفق المعادلات القديمة نفسها، أو افتراض أن الروابط التاريخية تمنح أي قوة خارجية حقًا دائمًا في النفوذ أو التأثير.
وفي المقابل، لا تعني إعادة تعريف الشراكات إغلاق أبواب التعاون مع الشركاء التقليديين. فبوسع تشاد أن تحافظ على استقلال قرارها، وأن تطور علاقاتها مع فرنسا وغيرها، ما دامت هذه العلاقات قائمة على التوازن والمصلحة المتبادلة.
وربما يكون هذا التوازن هو المفتاح الحقيقي لأي تقارب بين باريس ونجامينا : شراكة لا تقوم على استعادة النفوذ القديم، بل على الاعتراف بالواقع الجديد، ولا تُقاس بقدرة طرف على فرض إرادته، بل بقدرة الطرفين على تحقيق مصالحهما دون المساس بسيادة أي منهما.
من التحذير إلى الحوار… هل تتغير قواعد العلاقة؟ .
كلما عدت بذاكرتي إلى المهمة التي كُلّفت بها، وفق شهادتي، من الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو، استعدت طبيعة الرسالة التي حملتها إلى الجانب الفرنسي، وما عكسته من استياء إزاء بعض المواقف التي اعتُبرت في نجامينا آنذاك غير منسجمة مع تطلعات القيادة التشادية.
واليوم، إذا ثبت أن الرئيسين الفرنسي والتشادي يتجهان فعلًا إلى فتح صفحة جديدة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت العلاقات ستتحسن ، بل بما الذي تغير حتى أصبح الحوار ممكنًا بعد القطيعة .
هل هو تبدل في الحسابات الاستراتيجية؟ أم تغير في الظروف الإقليمية؟ أم إدراك متبادل بأن المصالح الوطنية تقتضي تجاوز الخلافات وإعادة بناء قنوات التواصل؟ .
لا تزال الإجابة مفتوحة، ولا يجوز حسمها قبل ظهور أدلة واضحة على طبيعة التفاهمات الجديدة.
لكن الدبلوماسية، بطبيعتها، ليست مسارًا مستقيمًا ، إنها حركة دائمة بين الخلاف والتفاوض، وبين المصالح المتعارضة والبحث عن نقاط الالتقاء .
وقد تفرض التحولات أحيانًا على الدول أن تعيد النظر في علاقاتها، لا لأنها نسيت خلافاتها، بل لأنها أدركت أن إدارة الخلاف قد تكون أكثر فائدة من استمرار القطيعة.
وإذا تأكدت زيارة محمد إدريس ديبي إتنو إلى باريس في 13 أكتوبر 2026، وما قد يرتبط بها من تفاهمات، فستكون جديرة بالقراءة باعتبارها محطة في إعادة تعريف العلاقات الفرنسية التشادية، لا مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة.
فالتقارب الحقيقي لا يعني محو الذاكرة، ولا التراجع عن مبدأ السيادة، ولا العودة الآلية إلى ترتيبات الماضي.
إنه يعني القدرة على تحويل الخلافات إلى دروس، والمصالح المشتركة إلى فرص، والتفاهمات السياسية إلى التزامات واضحة تحترم إرادة الطرفين.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن القيمة الحقيقية لأي نجاح دبلوماسي في مجرد استئناف العلاقات بعد انقطاعها، بل في بناء علاقة تجعل القطيعة أقل احتمالًا، وتمنح الحوار فرصة أكبر من التصعيد، وتؤسس لشراكة متوازنة قوامها الاحترام المتبادل وحرية القرار.
تلك هي المسألة الجوهرية التي ستحدد مستقبل العلاقات بين فرنسا وتشاد : ليس ما إذا كان الطرفان سيعودان إلى التواصل فحسب، بل ما إذا ما كانا قادرين على صياغة علاقة جديدة تتجاوز إرث التوتر، وتستجيب لتطلعات تشاد إلى السيادة، ولمصالح فرنسا في شراكة واقعية ومتوازنة مع إفريقيا .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *