محمد دحلان .. الرجل الذي خرج من غزة وعاد إليها صانعا لمستقبلها .
عواصم – عرب 21 : أ – حذامي محجوب .
ليس من السهل اختزال اسم شخصية بمكانة محمد دحلان في صورة سياسي فلسطيني سابق غادر غزة ثم استقر في المنفى .
فالرجل الذي خرج من القطاع في واحدة من أكثر مراحل الانقسام الفلسطيني دموية ، لم يختف من المشهد ، بل أعاد بناء نفوذه بعيدا عن المؤسسات الفلسطينية ، مستندا إلى شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية ، قبل أن يجد نفسه اليوم في قلب الاتصالات المتعلقة بمستقبل غزة ، وترتيبات المرحلة الانتقالية ، ومستقبل حركة حماس وسلاحها .
هنا تكمن المفارقة الأبرز في مسيرة محمد دحلان : الرجل الذي كان يوما أحد أكثر خصوم حماس شراسة ، أصبح قادرا على التواصل معها والقيام بدور الوسيط بينها وبين أطراف إقليمية ودولية .
وفي الوقت نفسه ، ينظر إليه الأميركيون باعتباره شخصية فلسطينية تمتلك قنوات اتصال يصعب تجاهلها في أي ترتيبات مقبلة للقطاع .
ولد دحلان في خان يونس جنوب غزة ، المدينة التي ولد فيها أيضاً يحيى السنوار بفارق عام واحد .
ومن هذه البيئة خرج إلى عالم السياسة والأمن داخل حركة فتح ، قبل أن يصبح أحد أبرز وجوهها في القطاع ورئيسا لجهاز الأمن الوقائي .
وكان صعوده السياسي والأمني مرتبطا بصراع مفتوح مع حماس ، التي كانت تتوسع تدريجياً في غزة ، إلى أن انتهى الصراع بسيطرتها على القطاع عام 2007 بعد مواجهات فلسطينية دامية .
كانت تلك اللحظة نقطة التحول الكبرى في حياة دحلان .
غادر غزة ، ثم دخل في صراع أكثر حدة مع محمود عباس ، انتهى بإبعاده من حركة فتح وخروجه من المشهد الفلسطيني الرسمي . وفي عام 2011 ، أصبح المنفى واقعا سياسيا ، لكنه لم يكن بالنسبة إلى دحلان نهاية الطريق ، بل بداية لمرحلة مختلفة من إعادة بناء النفوذ .
في الإمارات العربية المتحدة ، وجد دحلان البيئة التي ساعدته على إعادة ترتيب أوراقه . اقترب من دوائر القرار في أبوظبي ، وبنى شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والإقليمية .
و مع مرور السنوات ، تحول من مسؤول فلسطيني سابق إلى لاعب يتحرك عبر شبكة من العلاقات تتجاوز حدود السلطة الفلسطينية ومؤسساتها .
ورغم انخراطه في عالم الأعمال والعلاقات الإقليمية ، لم يبتعد محمد دحلان عن القضية الفلسطينية.
بل بدأ تدريجيا في بناء قنوات اتصال مع خصومه السابقين في حماس .
كانت القاهرة إحدى أبرز ساحات هذا التقارب ، قبل أن تتطور الاتصالات إلى مستويات أكثر مباشرة .
وفي عام 2017، التقى دحلان يحيى السنوار في القاهرة ، في خطوة فتحت الباب أمام تفاهمات تتعلق بالعلاقة بين حماس ومصر وبالأوضاع في قطاع غزة .
لم يكن اللقاء يعني نهاية الخصومة التاريخية بين الطرفين ، لكنه كشف تحولا مهما في السياسة الفلسطينية : فالخصم القديم يمكن أن يتحول ، عندما تتغير موازين المصالح ، إلى قناة اتصال ووسيط محتمل .
ثم دخل عامل آخر إلى المعادلة : المساعدات والمال .
فقد ارتبط اسم محمد دحلان بتسهيل مساعدات إماراتية هامة إلى غزة، وبرامج دعم للفئات الفقيرة في القطاع ، بما في ذلك مساعدات غذائية واحتياجات أساسية ، إلى جانب مبادرات اجتماعية وخيرية .
وهكذا بدأت تتشكل في غزة صورة مختلفة للرجل ، صورة السياسي القادر على جلب الدعم من الخارج ، حتى وإن ظل اسمه بالنسبة إلى آخرين مرتبطا بمرحلة الصراع الداخلي والانقسام .
هذه الشبكة هي التي تفسر عودة دحلان إلى مركز الاهتمام اليوم .
فمع دخول غزة مرحلة جديدة من المفاوضات والبحث عن ترتيبات سياسية وأمنية ، يمتلك الرجل ما تفتقر إليه المؤسسات الفلسطينية التقليدية : قنوات اتصال مع أطراف متعارضة ، وعلاقات وثيقة في أبوظبي والقاهرة ، وقدرة على التحرك خارج القيود التي تحكم السلطة الفلسطينية .
وفي نهاية شهر يوليو ، استقبل دحلان وفدا من حركة حماس في أبوظبي ، في خطوة قيل إنها هدفت إلى اعادة بناء الثقة ، قبل أن ينتقل إلى العلمين الجديدة في مصر ، حيث التقى رئيس جهاز المخابرات المصرية حسن رشاد ، وانخرط في اتصالات شملت الفصائل الفلسطينية ومبعوثين أميركيين ، من بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف .
في هذه المرحلة ، لم يعد دحلان مجرد ناقل للرسائل بين الأطراف .
فقد ارتبط اسمه أيضا بطرح شخصيات فلسطينية يمكن أن تتولى إدارة غزة خلال مرحلة انتقالية في حال المضي في ترتيبات نزع سلاح حماس .
وهنا يقترب الرجل من الدور الذي يبدو أنه سعى إليه منذ سنوات : ليس استعادة منصب في الصف الاول الفلسطيني فحسب ، وإنما المشاركة في صناعة المرحلة الفلسطينية الجديدة المقبلة .
وتزداد أهمية هذا الدور عندما يلتقي السياسي بالاقتصادي والإنساني .
فقد تحدثت معطيات متداولة عن تعهد إماراتي بتسوية ديون تقدر بنحو 400 مليون دولار تراكمت على الإدارة في غزة لصالح متعاقدين من القطاع الخاص ، إلى جانب ترتيبات لتعويض موظفين مرتبطين بحركة حماس قد تتم إزاحتهم خلال المرحلة الانتقالية .
ومهما كان مصير هذه الترتيبات، فإنها تكشف أن نفوذ محمد دحلان لا يقوم على السياسة وحدها ، بل على شبكة تجمع المال بالمساعدات والعلاقات الإقليمية .
لكن خلف صورة الوسيط يقف طموح سياسي لم يتوقف .
فدحلان لم يخف منذ سنوات رؤيته القائمة على تجاوز الثنائية التي حكمت السياسة الفلسطينية طويلا : حماس ومحمود عباس. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة : ” لا حماس ولا عباس ” ، التي تعكس رغبته في بناء مساحة سياسية ثالثة تتجاوز طرفي الانقسام .
ولهذا حافظ محمد دحلان على علاقات مع شخصيات فلسطينية مهمة يمكن أن تلعب أدوارا في مرحلة ما بعد محمود عباس ، كما ارتبط اسمه بمحاولات بناء تحالف سياسي يجمع شخصيات فتحاوية مبعدة مع قوى من اليسار الفلسطيني ، بما يمكن أن يشكل كتلة تتجاوز الاصطفافات التقليدية .
لهذا فان السؤال الحقيقي لم يعد : هل سيعود محمد دحلان إلى غزة؟ .
بل : بأي صورة سيعود ؟ .
من الصعب تخيل عودته بالشكل الذي غادر به القطاع ، قائدا أمنيا في مواجهة حركة حماس أو منافسا مباشرا لمحمود عباس .
كما أن الحديث عن عودته إلى رئاسة السلطة الفلسطينية يظل محفوفا بالشكوك ، في ظل تغير المشهد الفلسطيني وتعقيدات المرحلة المقبلة .
لكن محمد دحلان ربما لم يعد بحاجة إلى منصب رسمي كي يعود إلى التأثير .
فالنفوذ الذي بناه خلال سنوات المنفى يمنحه فرصة للعب دور من خارج المؤسسات ، وربما التأثير في بعض قراراتها من بعيد .
وإذا نجحت الترتيبات المتعلقة بمستقبل غزة ، فقد يجد نفسه بين الشخصيات التي تساهم في اختيار شكل الإدارة الجديدة للقطاع، أو توفير الدعم السياسي والمالي لها .
وهنا تكمن مفارقة محمد دحلان .
لقد غادر غزة بعدما خسر معركة النفوذ فيها ، لكنه أمضى سنوات المنفى في بناء أدوات نفوذ جديدة قد تمكنه من التأثير في مستقبلها .
لم يعد يملك جهازا أمنيا ، ولا حركة سياسية يسيطر عليها ، ولا منصبا رسميا ، لكنه يمتلك شبكة علاقات تمتد من غزة إلى القاهرة وأبوظبي وواشنطن .
وفي لحظة التحولات الكبرى ، قد تكون هذه الشبكة أكثر قيمة من أي منصب .
بالتالي ، محمد دحلان ليس مجرد سياسي فلسطيني سابق يحاول استعادة مكانته من جديد . إنه رجل أعاد صياغة نفسه في المنفى ، وحوّل خروجه من غزة من هزيمة سياسية إلى فرصة لبناء نفوذ إقليمي ، ثم عاد اسمه إلى الواجهة في اللحظة التي تبحث فيها غزة عن مستقبل مختلف .
قد لا يعود دحلان إلى غزة حاكما ، وقد لا يصبح رئيسا فلسطينيا . و ربما لا يكون هدفه أصلاً استعادة منصب رسمي . طموحه يبدو أكثر تعقيدا : أن يكون أحد الذين يمتلكون مفاتيح المرحلة التي ستلي الحرب ، وأن يستعيد من الخارج دورا فقده في الداخل .
وبعد سنوات طويلة من المنفى ، يبدو أن محمد دحلان لا يسعى ببساطة إلى العودة إلى فلسطين ، بل إلى أن يعود اسمه جزءا من المعادلة التي ستحدد مستقبلها .
فالمنفي الذي خرج من غزة بلا سلطة ، قد يجد نفسه اليوم عائدا إليها من بوابة النفوذ.
