38°C تونس
06/08/2026
الحوثيون … ذراع إيران في الجزيرة العربية .
أراء وأفكار

الحوثيون … ذراع إيران في الجزيرة العربية .

أغسطس 6, 2026

ٍبقلم – ابوبكر الصغير.

ليست المملكة العربية السعودية هي المستهدفة وحدها كلما أطلقت جماعة الحوثي الإرهابية صاروخا أو طائرة مسيرة ، بل إن المستهدف الحقيقي هو أمن الجزيرة العربية ، بل امن كل العرب ، واستقرار المنطقة ، وحرية الملاحة الدولية ، ومستقبل الدولة اليمنية نفسها .
ان كل اعتداء حوثي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حادث عابر أو رد فعل محدود ، وإنما يأتي ضمن سياق مشروع إقليمي أوسع ارتبط خلال السنوات الماضية بالدور الذي تؤديه الجماعة ضمن المحور الإيراني في المنطقة .
أثبتت التجربة أن العداء الحوثي ، سواء تجاه أبناء الشعب اليمني ومؤسسات دولتهم أو تجاه الأشقاء في المملكة العربية السعودية ، لا يمكن تفسيره بعامل واحد ، بل هو نتاج تداخل عوامل عقدية وسياسية واستراتيجية ، شكلت مجتمعة هوية هذه الجماعة الإرهابية ومشروعها العدواني .
ومن هنا يصبح فهم هذا العداء ضرورة لفهم طبيعة الصراع الدائر في اليمن خصوصا والمنطقة بشكل عام .
إن أكثر ما يثير الاستغراب أن المملكة العربية السعودية كانت ، لعقود طويلة ، من أكثر الدول دعما للشعب اليمني .
فقد احتضنت ملايين اليمنيين الذين وجدوا فيها رغد العيش و فرص العمل و كرامتهم ، وأسهمت تحويلاتهم المالية الضخمة جدا في إعالة ملايين الأسر داخل اليمن نفسها ، كما قدمت الرياض مساعدات إنسانية وتنموية واسعة ، واستثمرت في استقرار اليمن باعتباره امتدادا طبيعيا لأمنها القومي وأمن المنطقة .
وفي المقابل ، ماذا جنى اليمن من الارتهان لإيران؟ .
فطهران لم تبن مدرسة واحدة في اليمن ، ولم تقم مستشفى ، ولم تنشئ مشروعا تنمويا يعيد الحياة إلى اليمنيين ، بل ارتبط حضورها بتقديم الصواريخ و المسيرات و بمزيد تعقيد الصراع ، وتغذية الانقسام ، و بعث المليشيات الإرهابية ، وإطالة أمد الحرب ، وتحويل اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة ، يدفع ثمنها المواطن اليمني قبل غيره .
أول هذه العوامل يتمثل في البعد العقائدي والفكري . فالجماعة تنطلق من مرجعية أيديولوجية تختلف عن المرجعية الوطنية التي يؤمن بها غالبية اليمنيين ، وقد انعكس ذلك على خطابها السياسي الذي يقوم على الاستقطاب والتعبئة المذهبية ، وتحويل الخلافات الفكرية إلى أدوات للصراع السياسي والعسكري .
وبغض النظر عن التوصيفات المذهبية ، فإن الثابت أن هذا الخطاب غذّى الانقسام وأضعف فرص بناء دولة جامعة .
أما العامل الثاني ، فهو المشروع السياسي القائم على احتكار السلطة ورفض مفهوم الدولة الوطنية الحديثة .
فالمشكلة لا تتعلق فقط بالخلاف مع المملكة العربية السعودية ، بل تمتد إلى رفض كل نموذج يقوم على المواطنة المتساوية والمؤسسات الدستورية ، واستبداله بمشروع يمنح الشرعية لفئة بعينها ، وهو ما جعل الجماعة في مواجهة مع قطاعات واسعة من المجتمع اليمني قبل أن تكون في مواجهة مع محيطها العربي .
ويبرز العامل الثالث في العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وإيران ، وهي علاقة أصبحت محورا رئيسيا في كثير من التحليلات الإقليمية .
فمنذ سنوات ، تطورت قدرات الجماعة العسكرية بشكل لافت ، خصوصا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة ، وهو ما عزز الاعتقاد لدى كثير من المراقبين بأن الجماعة باتت تمثل إحدى أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة ، تُستخدم للضغط على خصوم طهران وفتح جبهات جديدة كلما اقتضت الحسابات الإقليمية ذلك .
ومن هنا لم يعد استهداف السعودية مجرد امتداد للصراع اليمني الداخلي ، بل تحول إلى جزء من معادلة إقليمية أكبر ، تسعى من خلالها إيران إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية في مواجهة الدول العربية والمجتمع الدولي .
ويأتي العامل الرابع مرتبطا بالموقع الاستراتيجي لليمن .
فهذا البلد يشكل عمقا جغرافيا بالغ الأهمية للجزيرة العربية ، ويطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم .
ولذلك فإن تحويله إلى منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ، أو إلى قاعدة نفوذ لقوة إقليمية ، لا يهدد السعودية وحدها، بل يهدد أمن التجارة العالمية واستقرار المنطقة بأسرها .
أما العامل الخامس، فيتعلق بمحاولة استهداف الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية.
فالسعودية ليست دولة عربية كبرى فحسب، بل تحتضن الحرمين الشريفين، وتمثل ثقلاً سياسياً مهما واقتصاديا كبيرا ودينياً مؤثراً في العالمين العربي والإسلامي . ومن ثمة فإن أي استهداف لها يحمل أبعادا تتجاوز الجانب العسكري ، ويهدف أيضا إلى تحقيق مكاسب دعائية وإعلامية تمنح الجماعة حضورا يتجاوز حجمها الحقيقي.
كما يعتمد الحوثيون ، مثل كثير من الحركات المسلحة، على صناعة عدو خارجي لتبرير استمرار عسكرة المجتمع ، وحشد الأنصار ، وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والإنسانية والإدارية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم .
إن الدفاع عن المملكة العربية السعودية في مواجهة هذه الاعتداءات ليس دفاعا عن دولة شقيقة فحسب ، بل هو دفاع عن استقرار المنطقة ، وعن حق الشعوب في الأمن والتنمية بعيدا عن مشاريع المليشيات والحروب المفتوحة.
فالمملكة ، رغم ما واجهته من استهداف متكرر، ظلت تؤكد أن أمن اليمن واستقراره يمثلان جزءا من أمنها، وأن الحل المستدام لا يكون إلا بقيام دولة يمنية قوية تحتكر السلاح وتبسط سيادتها على كامل أراضيها .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *