38°C تونس
05/08/2026
سلطنة عُمان… حين تصبح الحكمة قوة، ويغدو السلام سياسة دولة .
أراء وأفكار

سلطنة عُمان… حين تصبح الحكمة قوة، ويغدو السلام سياسة دولة .

أغسطس 5, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في عالم تتسابق فيه دول إلى استعراض القوة و مد الهيمنة و النفوذ ، وتتعالى فيه أصوات الصواريخ و المسيرات أكثر من أصوات العقل ، تواصل سلطنة عُمان ترسيخ نموذج سياسي فريد ، قوامه الحكمة ، وأداته الحوار ، وهدفه حماية الأمن والاستقرار في المنطقة و العالم بشكل عام .
إنها دولة أدركت منذ عقود أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ساحات الحرب و القتال ، بل تلك التي تمنع الحروب من الاندلاع أصلا .
أثبتت القيادة العُمانية ، بقيادة السلطان هيثم بن طارق ، أنها امتداد لمدرسة دبلوماسية عريقة ، جعلت من التوازن والحياد الإيجابي نهجا ثابتا ، ومن الوساطة الصادقة رسالة وطنية ، ومن البحث عن الحلول مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيا.
لعل ما تشهده المنطقة اليوم من توترات متكررة يؤكد مجددا قيمة هذا النهج . فبينما يتجه البعض إلى التصعيد ، لا تزال الدبلوماسية العُمانية تنزع فتيل الأزمات ، وتطرح المقترح تلو الآخر ، وتفتح أبواب الحوار حتى في أكثر اللحظات تعقيدا ، إيمانا منها بأن البديل عن التفاهم هو الفوضى ، وأن البديل عن الدبلوماسية هو الخسارة الجماعية .
من هذا المنطلق ، برزت مبادرات السلطنة الرامية إلى إيجاد حلول عملية ومستدامة لأمن الملاحة في مضيق هرمز ، أحد أهم الممرات البحرية في العالم .
فلم تكتف مسقط بالدعوة إلى التهدئة فحسب ، بل قدمت رؤى ومقترحات واقعية لإدارة هذا الشريان المائي الحيوي ، من بينها طرح يقوم على آلية تعتمد رسوما طوعية يدفعها مستخدمو الممر البحري ، بما يسهم في توفير الموارد اللازمة لتعزيز سلامة الملاحة ، ويخفف من احتمالات الاحتكاك العسكري ، في إطار يحظى بتأييد خليجي ويعكس روح المسؤولية الجماعية .
إن قيمة هذه المبادرات العمانية لا تكمن في تفاصيلها الفنية فحسب ، بل في الفلسفة التي تنطلق منها ، فلسفة تؤمن بأن أمن الخليج لا يتحقق بمزيد الاستقطاب ، وإنما بالشراكة ، وأن استقرار طرق التجارة العالمية مصلحة مشتركة للعالم بأسره ، وليست ورقة ضغط في الصراعات السياسية .
لقد نجحت سلطنة عُمان عبر عقود في بناء رصيد استثنائي من الثقة لدى مختلف الأطراف ، لأنها لم تجعل من الوساطة وسيلة لتحقيق مكاسب ضيقة ، بل التزمت بالصدق والاتزان واحترام سيادة الدول. ولذلك ، أصبحت مسقط وجهة طبيعية لكل من يبحث عن مخرج من الأزمات ، وجسرا تعبر عليه الرسائل عندما تنقطع قنوات التواصل .
ليس من قبيل المصادفة أن تحظى الجهود العُمانية باحترام واسع داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية وخارجه ، بل في كل العالم ، لأن الجميع يدرك أن استقرار الخليج مسؤولية جماعية ، وأن كل مبادرة تقلل احتمالات المواجهة وتحافظ على انسياب التجارة والطاقة تمثل خدمة للمنطقة والعالم .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *