38°C تونس
23/09/2026
الملك سلمان .. و حكمة الدولة .
أراء وأفكار

الملك سلمان .. و حكمة الدولة .

سبتمبر 23, 2026

بقلم – أبوبكر الصغير .

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس عظمة الدول بكثرة ما تملك من قوة ، وإنما بقدرتها على استخدام القوة بحكمة ، وعلى التمييز بين ما يستحق الحزم وما يحتاج إلى الصبر ، وبين الدفاع عن السيادة وحماية المقدسات من جهة ، وتجنب الانجرار إلى الفوضى والتصعيد غير المحسوب من جهة أخرى .
ومن هذه الزاوية، يبرز موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بوصفه تعبيرًا عن مدرسة في الحكم تقوم على هدوء القرار، ووضوح الموقف، وثقل المسؤولية .
حين يؤكد الملك سلمان أن تكرار انتهاك حرمة المقدسات من قبل ميليشيا الحوثي الإرهابية يمثل استفزازا لمشاعر المسلمين، فهو لا يتحدث فقط بصفته ملك المملكة العربية السعودية ، وإنما بصفته قائد الدولة التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وتتحمل امانة و مسؤولية تاريخية ودينية وأمنية استثنائية تجاه أقدس مقدسات المسلمين .
إن محاولة استهداف مكة ليست حادثة عسكرية عابرة يمكن وضعها في سياق الصراع اليمني وحده.
فمكة ليست هدفا سياسيا ولا موقعا عسكريا ، وإنما قبلة أكثر من ملياري مسلم، وموضع الحرم الشريف ، ومهوى أفئدة المسلمين في العالم .
ولذلك فإن أي محاولة لتعريضها للخطر تتجاوز حدود الاعتداء على المملكة إلى استفزاز مشاعر كل المسلمين وانتهاك حرمة مكان تتعلق به عقيدتهم ووجدانهم .
وقد جاءت محاولة المسيّرة الحوثية دخول المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة في 15 سبتمبر لتؤكد خطورة هذا المسار، قبل أن تتمكن الدفاعات الجوية السعودية من اعتراضها وتدميرها. وأكدت القوات السعودية أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خط أحمر .
وهنا تتجلى حكمة الملك سلمان في أبعد معانيها : فالدولة التي تمتلك القوة لا تحتاج إلى استعراضها ، والدولة الواثقة من شرعية موقفها لا تحتاج إلى المبالغة في خطابها . يكفيها أن تحمي أرضها ، وتصون مقدساتها ، وتحفظ أمن مواطنيها وضيوف الرحمن ، ثم تترك للمجتمع الدولي مسؤولية تسمية الأشياء بأسمائها .
وهذا بالضبط ما بدأ يظهر في الموقف الدولي .
ففي 22 سبتمبر، أدان وزراء خارجية مجموعة السبع بأشد العبارات الهجمات الإرهابية المستمرة التي ينفذها الحوثيون ضد المملكة العربية السعودية، واعتبروا الوضع في اليمن تهديدًا غير مقبول للاستقرار والأمن الإقليميين، ولأمن الطاقة العالمي، ولحرية الملاحة والأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. كما طالبوا بوقف الهجمات على السفن المدنية ، ودعوا إلى العودة إلى العملية السياسية .
والأهم أن البيان لم يتعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد خلاف إقليمي محدود ، بل ربط بين الاعتداءات الإرهابية الحوثية وأمن التجارة والطاقة والملاحة الدولية .
وهذا تطور بالغ الدلالة، لأنه يؤكد أن ما يجري لم يعد شأنا سعوديا أو يمنيا أو خليجيا فحسب ، بل أصبح يمس المصالح الدولية بصورة مباشرة .
كما دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران إلى وقف دعمها وتسليحها للارهابيين الحوثيين ، في موقف يعكس تنامي القلق الدولي من استمرار هذا النمط من التصعيد لعصابات إرهابية .
وإذا كان الملك سلمان قد شدد على أن محاولة استهداف مكة جريمة وانتهاك لحرمة المقدسات، فإن الرسالة الأعمق في موقفه تتمثل في أن المملكة لا تنظر إلى حماية الحرمين باعتبارها امتيازا سياسيا، وإنما باعتبارها أمانة و مسؤولية تاريخية ودينية مقدسة لا تقبل المساومة.
ولذلك فإن إشادته بدور القطاعات العسكرية السعودية في صد الاعتداءات الإرهابية على الأماكن المقدسة وضيوف الرحمن ليست مجرد إشادة بالمؤسسة العسكرية ، بل هي تأكيد على أن قوة الدولة السعودية توضع في خدمة الأمن و الاستقرار ، وحماية الإنسان، وصون المقدسات، وليس في خدمة المغامرات أو الفوضى .
لقد أثبتت المملكة خلال السنوات الماضية أن القوة والدبلوماسية يمكن أن تسيرا جنبًا إلى جنب ، فحين يكون الدفاع ضروريًا تكون القوات المسلحة جاهزة، وحين يكون الحوار ممكنًا تبقى أبواب السياسة مفتوحة، وحين يتعلق الأمر بالمقدسات فإن الموقف لا يحتمل المساومة.
وهذه إحدى سمات الحكمة السياسية السعودية : أن تعرف الدولة متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تفاوض، ومتى تدافع، وأن تفعل كل ذلك دون أن تفقد بوصلتها أو تنجر إلى ردود أفعال عاطفية .
وفي هذا السياق، تأتي سياسة الملك سلمان باعتبارها امتدادًا لنهج سعودي حكيم يقوم على حماية أمن المملكة واستقرارها، وصون الحرمين الشريفين، وتعزيز العلاقات الدولية، والدفع نحو الحلول السياسية متى كانت ممكنة، مع الاحتفاظ بالقدرة على حماية السيادة عندما تُستهدف.
إن البقاع المقدسة ، ليست ملفا سعوديًا داخليًا، كما أن أمن ضيوف الرحمن ليس قضية تخص المملكة وحدها. إنها قضية تمس وجدان المسلمين جميعًا، ولهذا فإن محاولة استهدافها ينبغي أن تكون محل إدانة واضحة من كل العالم الإسلامي والمجتمع الدولي.
وفي زمن تتكاثر فيه المغامرات ، تبقى الحكمة قوة بحد ذاتها.
و الملك سلمان، يواصل إدارة هذه الملفات الثقيلة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة ، بحكمة القائد الذي يعرف أن هيبة المملكة لا تحتاج إلى ضجيج ، وأن حماية المقدسات لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى دولة قوية ، ومؤسسات يقظة ، وقرار مسؤول .
وهكذا تبدو المملكة العربية السعودية، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، أمام مسؤولية لا تشبه مسؤولية أي دولة أخرى : أن تحمي وطنا، وتصون حرمين، وتؤمّن ملايين الحجاج والمعتمرين، وتحافظ في الوقت نفسه على توازن إقليمي ودولي شديد التعقيد .
إنها مسؤولية ثقيلة ، لكن ثقل المسؤولية هو الذي يكشف معدن القيادة الحكيمة .
وفي المواقف الكبرى، تكون الحكمة هي أن تعرف الدولة قيمة ما تحميه ، وأن تعرف القيادة متى يكون الحزم واجبًا، ومتى يكون ضبط النفس قوة، ومتى يصبح الدفاع عن المقدسات دفاعًا عن ضمير العالم الإسلامي كله .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *