38°C تونس
23/09/2026
الإمارات .. حين جعل الشيخ زايد الثقافة جسراً إلى المستقبل .
ثقافة وفنون

الإمارات .. حين جعل الشيخ زايد الثقافة جسراً إلى المستقبل .

سبتمبر 23, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

ليست النهضة التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم وليدة الطفرة الاقتصادية فحسب ، ولا هي ثمرة المدن الحديثة التي ارتفعت أبراجها في قلب الصحراء ، وإنما هي قبل ذلك ثمرة رؤية إنسان آمن بأن بناء الأوطان لا يكتمل بتشييد الحجر وحده ، وأن الدولة التي تريد أن تصنع مستقبلا عظيما عليها أن تبني الإنسان ، وتصون ذائقته ، وتفتح نوافذها للكتاب والفنان والمثقف والمبدع .
ومن هنا تبدو تجربة الإمارات الثقافية والفنية واحدة من أكثر صفحات مشروعها الحضاري دلالة وعمقا .
فمنذ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لم تكن الثقافة ترفا على هامش مشروع الدولة ، بل كانت جزءا من صورتها عن نفسها ، وعن موقعها في محيطها العربي والعالمي .
ولعل واحدة من أبلغ القصص التي تختصر هذه الرؤية، تلك التي وقعت في الأيام الأولى لولادة دولة الإمارات الموحدة ، عندما وجّه الشيخ زايد سنة 1971 دعوة إلى سيدة الغناء العربي أم كلثوم لزيارة أبوظبي والمشاركة في احتفالات تلك المرحلة التاريخية .
وقد وثّق الأرشيف والمكتبة الوطنية هذه الزيارة في كتاب ” أم كلثوم في أبوظبي ” ، الذي أشرف على إعداده الأديب محمد المر، بوصفها محطة مهمة من التاريخ الثقافي الحديث للدولة الاماراتية .
لكن قيمة تلك الدعوة لا تكمن فقط في أن أم كلثوم، كوكب الشرق، جاءت إلى أبوظبي وأحيت حفلتين غنائيتين في نوفمبر 1971، وإنما في اللغة التي خاطب بها الشيخ زايد الفنانة العربية الكبيرة .
كتب لها : ” حضرة السيدة الفاضلة كوكب الشرق أم كلثوم المحترمة.. بعد التحية.. إنه لمن دواعي سرورنا دعوة سيدة الغناء العربي الأولى لزيارة أبوظبي للاطلاع على معالمها عن كثب، ومشاهدة ما حققته من إنجازات خلال فترة وجيزة، كما أنه سيكون مبعث فرح وسرور لنا أن نمتع الأذن بسماع الصوت الشجي والنغم الجميل ” .
في هذه الكلمات القصيرة تختبئ رؤية و فلسفة كاملة .
فالرجل الذي كان يقود مشروعا سياسيا وتاريخيا ضخما لتأسيس دولة اتحادية جديدة ، وجد في الفنانة العربية الكبيرة شريكا في صناعة الفرح والوعي والهوية . لم ينظر إلى الفن باعتباره زينة للدولة، بل باعتباره قيمة من قيمها، وإلى الفنان باعتباره شخصية تستحق أن تُخاطب بأعلى درجات التقدير .
والأكثر دلالة أن الشيخ زايد لم يدعُ أم كلثوم إلى أبوظبي لتغني فقط، وإنما دعاها أيضاً ” للاطلاع على معالمها عن كثب، ومشاهدة ما حققته من إنجازات خلال فترة وجيزة ” . كأن الرسالة تقول إن المدينة التي تبني المدارس والمستشفيات والطرق والمؤسسات ، تريد أيضا أن تُري مثقفا وفنانا عربيا كبيرا ما تصنعه.
لقد كان الشيخ زايد، في تلك اللحظة، يقدم للعالم تعريفا مبكرا للإمارات التي يريد بناءها : دولة تنفتح على العرب ، وتحترم رموز الثقافة، وتستقبل الفن الرفيع ، وتعتبر المبدع ضيفا عزيزا وشريكا في الاحتفال بالوطن .
ولم تكن زيارة أم كلثوم حدثا عابرا . فقد وصلت إلى أبوظبي في 26 نوفمبر 1971، قبل إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر، وأحيت حفلين، كما التقت الشيخ زايد في قصر المنهل. وتؤكد المصادر الإماراتية أن هذه الزيارة شكلت صفحة مهمة في التاريخ الثقافي والحضاري للدولة، كما أنها عكست اهتمام الشيخ زايد بالثقافة والفنون وإيمانه بتأثيرهما في المجتمع.
ومن اللافت أن أم كلثوم نفسها، في رسالة شكر نشرتها صحيفة ” الاتحاد ” ، عبّرت عن سعادتها بالحفاوة التي لقيتها في أبوظبي ، وربطت حضورها باللحظة التاريخية التي كانت تستعد فيها الإمارات لإعلان اتحادها، معتبرة قيام الاتحاد إضافة إلى رصيد الأمة العربية من القوة والدعم.
هكذا التقت في أبوظبي لحظتان استثنائيتان : لحظة ميلاد دولة، ولحظة حضور واحدة من أعظم رموز الثقافة والفن العربي .
ولذلك فإن قصة أم كلثوم في أبوظبي ليست مجرد حكاية عن حفل غنائي قديم ، بل وثيقة مبكرة لفكرة إماراتية أوسع : أن الوطن الذي يريد أن يحجز له مكانا في المستقبل، عليه أن يحترم ذاكرته ، ويحتفي بمثقفيه ، ويكرّم مبدعيه ، ويفتح أبوابه للفن العربي والإنساني.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *