حين تصبح الممرات البحرية رهينة للصراع .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم تعد تداعيات الصراع مع إيران والميليشيات الحوثية تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق ، أو بالطائرات المسيّرة التي تحلّق ، أو بحجم الأضرار التي تصيب هذه الدولة أو تلك . فالحرب، حين تقترب من الممرات البحرية الاستراتيجية ، تخرج من حدود ساحات القتال لتدخل مباشرة في شرايين الاقتصاد العالمي .
هناك كلفة أخرى للحرب ، أقل صخبًا من انفجار صاروخ ، لكنها أوسع مدى وأطول أثرًا : سفن تغيّر مساراتها، رحلات تطول، شحنات تتأخر، أقساط تأمين ترتفع، أسعار طاقة تقفز، مصانع تنتظر مكوّناتها، ومستهلكون في قارات بعيدة يدفعون ثمن اضطراب لم يصنعوه ولم يشاركوا فيه .
ما يجري في مضيقي هرمز وباب المندب يقدّم الدليل الأوضح على أن الجغرافيا البحرية يمكن أن تتحول ، في زمن الأزمات ، إلى أداة ضغط تتجاوز حدود المنطقة بأضعاف .
فهرمز ليس مجرد ممر مائي بين ضفتين ، وباب المندب ليس مجرد نقطة ضيقة على خريطة اليمن ، كلاهما عقدتان أساسيتان في شبكة عالمية تربط مصادر الطاقة بمراكز الاستهلاك ، وتصل آسيا بأوروبا ، وتؤثر بصورة مباشرة في حركة التجارة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد .
تكشف الأرقام حجم التحول .
ففي 17 سبتمبر ، لم تعبر مضيق هرمز سوى أربع سفن للسلع ، مقابل متوسط يومي بلغ 16 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة ، بينما عبرت باب المندب 23 سفينة في اليوم نفسه ، مقارنة بمتوسط 26 سفينة . وهذه الأرقام ، مهما بدت مجرد بيانات ملاحية ، تختصر في حقيقتها حجم القلق الذي أصاب واحدًا من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم .
ولم تعد أوروبا تنظر إلى اضطراب هرمز باعتباره أزمة بعيدة عنها .
فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن إغلاق المضيق والاضطراب الناجم عن الحرب كبّدا أوروبا نحو 90 مليار يورو إضافية في تكلفة واردات الوقود ، من دون أن تحصل القارة على كمية إضافية من الطاقة مقابل هذه الكلفة .
أما الولايات المتحدة ، فقد قدّم مكتب الميزانية في الكونغرس صورة أخرى من حجم الفاتورة .
فقدّر كلفة العمليات العسكرية ضد إيران على وزارة الدفاع بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس 2026، مع كلفة إضافية محتملة تتراوح بين ملياري دولار وثلاثة مليارات دولار شهريًا، بحسب مستوى التصعيد.
كما أشار المكتب إلى أن اضطراب أسواق الطاقة يمكن أن يضيف ضغوطًا تضخمية على الاقتصاد الأميركي .
لكن أخطر ما في المشهد أن الأزمة لا تتوقف عند هرمز .
ففي البحر الأحمر ، يتحول باب المندب تدريجيًا إلى جبهة أخرى في معركة أمن الملاحة .
وإذ تتصاعد المخاطر المرتبطة بهجمات الحوثيين وحركة السفن في المنطقة ، بدأت الدول الأوروبية تدرك أن حماية التجارة ليست مسألة عسكرية فقط، بل مسألة اقتصادية تمس أمنها الداخلي ومصالح شركاتها وأسواقها .
إيطاليا أعلنت استعدادها لمهمة بحرية لحماية سفنها التجارية في باب المندب ، فيما دعا وزير دفاعها في 18 سبتمبر إلى تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر .
كما قامت فرقاطة إيطالية ضمن العملية الأوروبية ” أسبيدس ” بمرافقة سفينة تجارية إيطالية أثناء عبورها المضيق ، في رسالة واضحة إلى أن حماية الملاحة لم تعد شأنًا نظريًا.
وهنا تحديدا تكمن خطورة ما يحدث .
عندما يتعرض ممر بحري دولي للخطر ، لا تتوقف الخسارة عند الدولة التي تقع على شاطئه ، ولا عند السفينة التي تعبر مياهه . فالضرر ينتقل عبر سلسلة طويلة : من شركة الشحن إلى الميناء ، ومن الميناء إلى المصنع ، ومن المصنع إلى الأسواق ، ثم يصل في النهاية إلى المستهلك الذي يدفع فاتورة ارتفاع النقل والطاقة والتأمين .
السفينة التي تضطر إلى تغيير طريقها لا تغيّر اتجاهها على الخريطة فقط ، إنها تضيف أيامًا إلى الرحلة ، وتحرق مزيدًا من الوقود ، وتتحمل أقساط تأمين أعلى ، وتزيد احتمالات التأخير ، وكل ذلك يتحول في النهاية إلى تكلفة تدخل في سعر السلعة .
وهنا تصبح حرية الملاحة أكثر من مبدأ قانوني أو شعار دبلوماسي . إنها شرط من شروط استقرار الاقتصاد العالمي .
والأخطر من ذلك أن استمرار تهديد الممرات البحرية يخلق واقعًا جديدًا تصبح فيه التجارة العالمية رهينة لمعادلة القوة في مناطق الاختناق البحري .
وعندها لا تعود حرية الملاحة حقًا مستقرًا، وإنما تصبح مرتبطة بقدرة الدول على حماية سفنها ، وتأمين طرقها ، وتوفير البدائل ، وتحمل فاتورة الأمن المتصاعدة .
وإذا اجتمع اضطراب هرمز مع اضطراب باب المندب في الوقت نفسه، فإن العالم لا يواجه أزمتين منفصلتين ، بل خللًا متصلًا في شريانين من أكثر شرايين التجارة والطاقة حساسية .
فهرمز يرتبط مباشرة بتدفقات الطاقة من الخليج ، بينما يشكل باب المندب بوابة بحرية أساسية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس .
وأي اضطراب طويل في أحدهما يفرض كلفة على العالم ، فما بالك إذا تزامن الاضطراب في كليهما؟ .
وهنا يتجاوز السؤال حدود الصراع الإقليمي : من يسيطر على هذا المضيق أو ذاك ؟ .
السؤال الحقيقي هو : هل يجوز أن تصبح التجارة الدولية رهينة لقدرة جماعة إرهابية مسلحة أو دولة أو طرف في صراع إقليمي على تهديد الممرات التي تمر عبرها مصالح عشرات الدول ؟.
إن ترك هذه المسألة بلا إجابة واضحة يعني القبول ، تدريجيًا ، بتحويل أمن البحار إلى مجال للمساومة السياسية والعسكرية .
ومع كل أزمة جديدة، ستزداد شركات النقل حذرًا ، وسترتفع كلفة التأمين والشحن والطاقة ، وستتسع الحاجة إلى الطرق البديلة، وستنتقل آثار الصراع من الخرائط العسكرية إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية .
لقد أثبتت الأشهر الأخيرة أن الحرب لا تُدفع فاتورتها في ساحات المعارك وحدها .
قد تدفعها أوروبا في فاتورة الطاقة ، وتدفعها الولايات المتحدة في الإنفاق العسكري ، وتدفعها دول المنطقة في أمنها واقتصاداتها، وتدفعها آسيا في اضطراب خطوط إمدادها، ثم يصل الجزء الأخير من الفاتورة إلى المستهلك في شكل أسعار أعلى وسلع أغلى وخدمات أكثر كلفة .
وهنا تصبح حماية الممرات البحرية جزءًا من حماية الاقتصاد العالمي نفسه .
فهرمز وباب المندب ليسا ملكًا لقوة واحدة ، ولا ينبغي أن يتحولا إلى أوراق تفاوض في يد أطراف الصراع .
إنهما ممران دوليان تتوقف عليهما مصالح اقتصادات وشعوب ودول تتجاوز بكثير حدود المنطقة .
ولهذا فإن ما يحدث فيهما ليس مجرد تفصيل عسكري في حرب إقليمية ، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية حرية الملاحة ، ومنع تحويل الممرات الاستراتيجية إلى أدوات ابتزاز، والحفاظ على شريان اقتصادي عالمي لا تستطيع دولة واحدة، ولا ميليشيا واحدة، أن تغلقه أو تهدده دون أن يدفع العالم كله الثمن .
فحين تصبح الممرات البحرية رهينة للصراع، لا تبقى الحرب محصورة في المكان الذي اندلعت فيه.
إنها تبدأ من المضيق … ثم تعبر البحار، وتدخل الموانئ والمصانع والأسواق، وتنتهي في جيب المواطن حول العالم .
