38°C تونس
16/09/2026
الحوثي يضع المقدسات في مرمى النار .. اعتداء تجاوز كل الخطوط الحمراء .
أراء وأفكار

الحوثي يضع المقدسات في مرمى النار .. اعتداء تجاوز كل الخطوط الحمراء .

سبتمبر 16, 2026

بقلم – ابوبكر الصغير .

لم يعد ما تقوم به مليشيات الحوثي الإرهابية ، مجرد تصعيد عسكري عابر ، ولا مجرد فصل جديد من فصول الحرب اليمنية التي أنهكت اليمن والمنطقة ، بل تحوّل إلى اعتداء متكرر على أمن المملكة العربية السعودية ، وعلى المدنيين والأعيان المدنية ، وعلى منطقة تحمل للعالم الإسلامي بأسره قداسة عظيمة لا يجوز أن تكون يوما هدفا للصواريخ والمسيّرات .
لقد تجاوز الحوثيون كل الخطوط الحمراء .
فحين تمتد الهجمات إلى المدن السعودية ، وتطال المنشآت المدنية والاقتصادية ، وتقترب التهديدات من مكة المكرمة و المدينة المنورة ، فإن القضية لم تعد خلافا سياسيا أو مواجهة عسكرية بين طرفين ، وإنما تصبح مسألة تمس أمن بلد يحتضن أقدس مقدسات المسلمين ، ومسؤولية عربية وإسلامية لا يجوز التعامل معها بمنطق الصمت أو الحياد البارد .
في الأيام الأخيرة ، حصل تصعيد ارهابي حوثي واسع ، شمل هجمات على مواقع مدنية واقتصادية في مناطق عدة من المملكة ، وأسفرت إحدى موجات الهجمات عن إصابة عشرات المدنيين ، بينهم نساء وأطفال ، كما تحدثت السلطات السعودية عن أضرار وحرائق في منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة .
ثم جاءت التطورات الأشد خطورة مع رفع درجة التحذير الأمني في مكة و جدة و الطائف ، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية باتجاه الأراضي السعودية.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة :
مكة المكرمة ليست هدفا عسكريا.
والمدينة المنورة ليست ورقة تفاوض .
والمقدسات الإسلامية ليست جزءا من لعبة النفوذ الإقليمي .
ومن يضعها في مرمى الصواريخ والمسيّرات إنما يفتح بابا بالغ الخطورة ، لأن المساس بأمنها لا يعني الاعتداء على السعودية وحدها ، بل يمس مشاعر أكثر من مليار و نصف مليار مسلم ينظرون إلى الحرمين الشريفين باعتبارهما أقدس رموزهم الدينية و أعظمها .
إن المملكة العربية السعودية لا تدافع عن حدودها فحسب عندما تواجه هذه الاعتداءات الإرهابية ، بل تحمي أمن مكة والمدينة ، وتحمي ملايين المسلمين الذين يقصدون الحرمين من مختلف أنحاء العالم .
ولهذا فإن الصمت أمام استهداف المملكة لا يمكن أن يتحول إلى موقف مقبول عربيًا أو إسلاميًا .
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الحوثيين لم يعودوا يتحركون فقط داخل الجغرافيا اليمنية ، بل أصبحوا يستخدمون الصواريخ والمسيّرات للضغط على المملكة و استهداف منشآتها الحيوية ومدنها ، في وقت تتسع فيه المواجهة الإقليمية وتتداخل فيها الحسابات العسكرية مع صراعات النفوذ والممرات البحرية والطاقة .
والأخطر أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل البحر الأحمر و باب المندب إلى ساحة مفتوحة للتصعيد ، بما ينعكس على أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي ، فضلا عن الأمن الإقليمي .
لكن مهما كانت الحسابات السياسية ، ومهما تعددت الذرائع التي يسوقها الحوثيون لتبرير عملياتهم، فإن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية أمر لا يمكن تبريره .
فالخلاف السياسي لا يمنح أحدا حق تعريض المدنيين للخطر .
والصراع اليمني لا يمنح أحدًا حق نقل النار إلى المدن السعودية.
وأي حديث عن المقاومة أو السيادة أو الانتقام لا يمكن أن يجعل من مكة أو المدينة أو الأحياء السكنية أو المنشآت المدنية أهدافًا عسكرية .
إن المملكة العربية السعودية أعلنت بوضوح أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن شعبها و سيادتها وأمنها ، فيما دان مجلس التعاون الخليجي و كل دول العالم بأشد العبارات الهجمات الحوثية على المدنيين والأعيان المدنية في المملكة.
وهذا الموقف يجب أن يجد صداه في العالم العربي والإسلامي .
المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات التي تُقرأ ثم تُنسى ، وإنما موقف واضح يضع أمن المملكة والمقدسات الإسلامية خارج حسابات كل الصراعات والمحاور .
فالخلافات السياسية يمكن أن تُناقش ، والمفاوضات يمكن أن تُستأنف، والملفات اليمنية يمكن أن تجد طريقها إلى التسويات ، أما تحويل المقدسات إلى أهداف عسكرية فذلك خط أحمر لا ينبغي أن يقبل به أحد .
إن السعودية، بما تمثله من مكانة دينية عظيمة وسياسية واقتصادية، ليست ساحة مباحة أمام جماعة إرهابية مسلحة كي تختبر فيها قدراتها الصاروخية.
ومن يعتقد أن استهداف المملكة يمكن أن يمر بلا تبعات ، فعليه أن يدرك أن أمن السعودية جزء من أمن الخليج ، وأن أمن الخليج جزء من أمن المنطقة ، وأن أمن مكة والمدينة قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة .
لقد آن الأوان لأن يفهم الحوثي ومن يقف خلفه أن المنطقة ليست بلا ذاكرة ، وأن الصبر ليس ضعفًا ، وأن ضبط النفس ليس عجزًا .
وإذا كان طريق السياسة ما يزال ممكنًا ، كما تؤكد الرياض، فإن الطريق إلى التصعيد يجب ألا يمر عبر المدنيين، ولا عبر المنشآت الحيوية، ولا ــ وهذا هو الأخطر ــ عبر تخويف المسلمين على أمن مقدساتهم .
فمكة خط أحمر.
والمدينة خط أحمر.
وأمن المملكة خط أحمر.
والعبث بهذه الثوابت لا يصنع انتصارًا، وإنما يفتح أبوابًا لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تقود المنطقة.
إن التضامن مع المملكة العربية السعودية في مواجهة استهدافها ليس موقفًا ضد الشعب اليمني، ولا انحيازًا إلى الحرب، بل هو موقف مع حق المدنيين في الأمن، ومع حرمة المقدسات، ومع ضرورة أن تبقى مكة والمدينة بعيدتين عن صراعات السلاح والنفوذ.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *